ليس كلُّ عبقريٍّ يملأ الدنيا ضجيجًا، فبعضُ العظماء يمرّون في التاريخ بثيابٍ مرقَّعة، وشَعرٍ أشعث، وأقدامٍ أنهكها السعي وراء المعرفة، لكنهم يتركون وراءهم من الآثار ما تعجز عنه الممالك والجيوش.
ومن هؤلاء الخالدين الخليلُ بن أحمد الفراهيدي؛ ذلك الرجل الذي عاش فقيرًا في داره، غنيًّا في عقله، مجهولًا في الأسواق، مشهورًا في سماء الحضارة.
فإذا ذُكرت العربية ذُكر الخليل، وإذا ذُكر الوزن الشعري ذُكر الخليل، وإذا ذُكرت المعاجم ذُكر الخليل؛ لأنه لم يكن عالمًا من علماء اللغة فحسب، بل كان أمةً كاملةً تمشي على قدمين.
لقد مات الفراهيدي منذ أكثر من اثني عشر قرنًا، لكن العربية ما تزال إلى اليوم تسير على بعض الطرق التي رسمها لها ذلك العبقري الأشعث، الذي عاش فقيرًا ومات زاهدًا، وبقي اسمه واحدًا من ألمع النجوم في سماء العقل العربي والإسلامي,,
وَأَفضَلُ قَسمِ اللَّهِ لِلمَرءِ عَقلُهُ/
فلَيسَ مِنَ الخَيراتِ شَيءٌ يُقارِبُه/
إِذا أَكمَلَ الرَّحمنُ لِلمَرءِ عَقلَهُ/
فَقَد كَمُلَت أَخلاقُهُ وَضَرائِبُه/
يَعيشُ الفَتَى بِالعَقلِ في الناسِ إنَّهُ/
على العَقلِ يَجري عِلمُهُ وتَجارِبُه/
وَمَن كانَ غَلاباً بِعَقلٍ وَنجدَةٍ/
فَذو الجَدِّ في أَمرِ المَعيشَةِ غَالِبُه/
يَزينُ الفَتَى في النَّاسِ صِحَّةُ/ عَقلِهِ/
وَإِن كانَ مَحظُوراً عَلَيهِ مَكاسِبُه/
ويُزرِي بِهِ في الناسِ قِلَّةُ عَقلِهِ/
وإِن كَرُمَت أَعراقُهُ وَمَناسِبُه/
………………
نجمُ العربيةِ الساطع:
(اَلخَلِيل بنْ أَحْمَد بن عَمْرُو بن تَمِيم اَلْفَرَاهِيدِي اَلْأَزْدِيّ اَلْيَحمَدِي اَلْبَصَرِيَّ، المعروف بَالْفَرَاهِيدِي) (718م – 786م)
1- وُلِدَ وعاش ومات في أرض العراق،، تلك الأرض العظيمة التي أنجبت للدنيا معظم رموز الشعر، وشموس اللغة العربية.
2- إمامٌ من أئمة اللغة والأدب.
3- واضع علم العروض.
4- الرائد الأول لعلم المعجميات، وصاحب أول وأقدم قاموس للغة العربية بـ اسم (العين)
5- أثّرَت نظرياته اللغوية على تطور العروض الفارسية، والتركية، والأردية.
6- عاش الفراهيدي فقيرا مُعدمًا، زاهدًا الدنيا وما فيها، محبًا للعلم والعلماء.
7- كان شعث الرأس، شاحب اللون، قشف الهيئة، مرقّع الثياب، متقطع القدمين، مغمورا في الناس لا يُعرف.
6- قال النَّضْر بن شُمَيْل: ما رأى الراؤون مثل الخليل، ولا رأى الخليل مثل نفسه.
…………..
يسري الخطيب


