بين الصديقِ الحسنِ والصديقِ السوء مسافةٌ تُقاسُ بنقاءِ القلبِ لا بطولِ الصحبة؛ فالصديقُ الحسنُ مرآةٌ تُريك عيوبَك لتُصلحها، ويدٌ تمتدّ إليك إن تعثّرت، وصدرٌ يتّسعُ لهمّك إن ضاق بك الخلقُ.
أمّا صديقُ السوءِ فريحٌ مسمومة، تزرعُ الشكَّ وتقتاتُ على الزلّة، يجرُّك من نورِ الصلاحِ إلى ظلمةِ الخطأ حتى تُصبحَ شبيهَه وإن لم تَشعر. وقد شبّه النبيُّ ﷺ الجليسَ الصالحَ والجليسَ السوءَ بأبلغ تشبيهٍ فقال:
“مَثَلُ الجليسِ الصالحِ والجليسِ السوءِ كحاملِ المسكِ ونافخِ الكيرِ؛ فحاملُ المسكِ إمّا أن يُحذيَك، وإمّا أن تبتاعَ منه، وإمّا أن تجدَ منه ريحًا طيّبة، ونافخُ الكيرِ إمّا أن يُحرِقَ ثيابَك، وإمّا أن تجدَ منه ريحًا خبيثة.”
وبين الغيرةِ الواجبةِ والحمقِ المنفّر خيطٌ من توازنِ القلبِ والعقل؛ فالغيرةُ خلقُ المؤمنِ على دينِه وأهلِه وعِرضِه، تحفظُ المروءةَ وتقي من الانزلاقِ في الفتنة.
أمّا الحمقُ المنفّرُ فهو غيرةُ الجاهل، التي لا يضبطها عقلٌ ولا يوجّهها شرع، تُثيرُ العداوةَ وتُفسدُ المحبةَ وتطفئُ نورَ الثقةِ بين القلوب. فالغيرةُ الصادقةُ وقار، والحمقُ الغيورِ دمار.
وبين الثناءِ الواجبِ ومدحِ المتملّق بونٌ شاسع؛ فالثناءُ على المحسنِ اعترافٌ بالفضل، وإشادةٌ بالجميل، وهو من مكارمِ الأخلاق. أما مدحُ المتملّقِ فهو رياءٌ يتزيّنُ بالكلمة، ويُخفي وراءها طمعًا أو خوفًا.
فالأولُ يرفعُ صاحبه في عيونِ الصادقين، والثاني يُسقطُه في أعينِ المخلصين. قال عمرُ بنُ الخطاب رضي الله عنه: “الثناءُ في وجهِ المرءِ ذبحٌ له” إن جاوزَ حدَّه.
فما أضيقَ المسافةَ بين الصوابِ والانحرافِ في هذه القيم، وما أعظمَ أثرَها في بناءِ الإنسانِ والمجتمع؛
فمن وزنَها بميزانِ الحكمة، عاشَ مستقيمَ الخلق، نقيَّ القلب، صادقَ المعاملة.


