في الوقت الذي يسجل فيه الريال الإيراني مستويات هبوط تاريخية بوصول الدولار إلى حاجز المليون ونصف المليون ريال، يبرز تساؤل جوهري يشغل مراقبون: كيف تستمر دولة “مفلسة” بمقاييس النظام المصرفي العالمي في تمويل مشاريع هندسية فائقة التعقيد.
وضرب المراقبون أمثلة ك “مدن الصواريخ” تحت جبال زاجروس، وتطوير تكنولوجيا باليستية عابرة للقارات؟
إن الإجابة تكمن في اعتماد طهران على ماوصفته “اقتصاد الموازاة” الذي يعزل التصنيع العسكري عن تقلبات السوق النقدية، محولاً الأزمة الاقتصادية إلى وقود للابتكار الدفاعي المستقل.
سلاح “الاكتفاء الذاتي” في مواجهة انهيار العملة
تعتمد الاستراتيجية الإيرانية على تقليل الاعتماد على المكون الأجنبي إلى أدنى مستوياته، مما يجعل تكلفة إنتاج الصاروخ الواحد داخل إيران أقل بكثير من نظيره العالمي.
فبينما يكلف صاروخ “كروز” أو باليستي بمواصفات مشابهة ملايين الدولارات في الغرب، تنتجه طهران بكسور من هذه التكلفة اعتماداً على مواد خام محلية (صلب، ألومنيوم، وقود صلب) وسلسلة توريد داخلية بالكامل.
هذا “التكامل الرأسي” يجعل ميزانية الدفاع الإيرانية محصنة جزئياً ضد التضخم؛ فالدولة تدفع بالريال للمهندسين والعمال والمصانع المحلية، بينما تقاس قوة السلاح بالقدرة التدميرية لا بقيمته في سوق الصرف.
خارطة التمويل الظلّي ومقايضة “الطاقة بالسلاح”
على الرغم من الحصار المفروض على 195 دولة، نجحت طهران في ابتكار نظام “المقايضة السيادية” بعيداً عن نظام “سويفت” الدولي.
يتم تمويل الأبحاث المتطورة عبر تصدير النفط والمنتجات البتروكيماوية إلى أسواق رمادية بخصومات مغرية، مقابل الحصول على تكنولوجيا دقيقة أو مواد أولية لا تتوفر محلياً.
وتكشف تقارير اقتصادية أن جزءاً كبيراً من تمويل “مدن الصواريخ” يأتي من ميزانيات خارج الموازنة العامة، تديرها مؤسسات اقتصادية تابعة للحرس الثوري، والتي تمتلك أذرعاً في قطاعات الإنشاءات والتعدين والاتصالات، مما يوفر تدفقات نقدية مستمرة تدعم الطموح العسكري دون الضغط على ميزانية الخدمات العامة.
الاستثمار في العقول
يقول الباحث فى الشئون السياسية والاقتصادية بالشرق الاوسط عبده فايد، ان السبب خلف صمود البرنامج الصاروخي في تحويل المحنة الاقتصادية إلى استثمار بشري كثيف.
ويضيف: “ان إيران ادركت أن شراء السلاح من الخارج يتطلب عملة صعبة لا تملكها، فاستثمرت في تكوين جيش من علماء الفيزياء والكمياء والهندسة من خريجي الجامعات الإيرانية الذين يعملون برواتب محلية (بالريال الإيراني) ولكن بإنتاجية تضاهي المعايير العالمية”.
وأضاف: ” هذا “التوفير الهيكلي” في تكلفة الأبحاث والتطوير هو ما سمح ببناء شبكة قطارات وأنفاق تحت جبال زاجروس، حيث تُحسب التكلفة هنا بساعات العمل الوطنية والجهد الهندسي المحلي، وليس بحجم الاحتياطي النقدي من الدولار، مما جعل من “إيران المحاصرة” قوة تكنولوجية تقرع أبواب القوى العظمى”.


