الكتاب: الإسلام بين الشرق والغرب
المؤلف: علي عزّت بيجوفيتش
التقديم: الدكتور عبد الوهاب المسيري
الترجمة: محمد يوسف عدس
التصنيف: الفكر الإسلامي والفلسفة والحضارة
يحتل كتاب «الإسلام بين الشرق والغرب» مكانة بارزة في الفكر الإسلامي المعاصر، فهو محاولة فلسفية واسعة لفهم الإنسان والحياة والحضارة، وإعادة النظر في العلاقة بين الدين والعلم، والروح والمادة، والأخلاق والتقدم، انطلاقًا من رؤية إسلامية ترى أن الإنسان كائن متكامل، لا يمكن اختزاله في حاجاته الجسدية أو قدراته العقلية وحدها.
وقد ارتبط الكتاب باسم المفكر البوسني علي عزّت بيجوفيتش، الذي جمع بين التكوين القانوني والاهتمام الفلسفي والتجربة السياسية، وعاش صراعًا طويلًا مع النظام الشيوعي اليوغوسلافي، قبل أن يتولى قيادة البوسنة والهرسك في مرحلة من أشد مراحل تاريخها اضطرابًا.
وتكشف سيرة الكتاب عن مفارقة لافتة، إذ إن بعض أفكاره الأساسية كُتبت قبل تجربة السجن، ثم اكتمل المشروع الفكري الذي حملها إلى القراء، وظهر الكتاب باللغة الإنجليزية في الولايات المتحدة عام 1984، بينما كان مؤلفه يقضي عقوبة سجنه، قبل أن تتوالى طبعاته وترجماته إلى لغات متعددة.
وتشير بيانات مؤسسة علي عزّت بيجوفيتش إلى أن الكتاب تناول موقع الإسلام في العالم الحديث، وفتح نقاشًا واسعًا حول الإنسان والدين والفن والأخلاق والقانون، متجاوزًا حدود الجدل الديني التقليدي إلى أسئلة الحضارة ومعنى الوجود الإنساني.
مقدمة: رجل واجه العالم بفكرة
هناك رجال تصنعهم الكتب، ورجال يكتبون الكتب لأن الحياة دفعتهم إلى مواجهة أسئلتها الكبرى، وعلي عزّت بيجوفيتش واحد من هؤلاء الذين تداخلت في سيرتهم الفكرة والمحنة، حتى غدا فهم مشروعه الفكري مرتبطًا بفهم الزمن الذي عاش فيه.
في أوروبا التي شهدت صعود الشيوعية، واحتدام الصراع بين الإيديولوجيات، وتضخم الثقة في قدرة الإنسان على بناء عالم جديد بقوة العلم والتنظيم والمادة، خرج صوت مسلم من البوسنة يسأل عن مصير الروح في عالم يتقدم تقنيًّا، وعن مكان الأخلاق في مجتمعات تستطيع إنتاج الثروة والأسلحة، لكنها قد تعجز عن صيانة كرامة الإنسان.
لم يكن بيجوفيتش مفكرًا يراقب الصراع الحضاري من بعيد، فقد عاش في مجتمع أوروبي متعدد الأديان والثقافات، وخبر التضييق السياسي والسجن، ثم واجه اختبارًا أشد قسوة عندما تحولت بلاده إلى ساحة حرب، وصار مستقبل شعبه مهددًا بالتقسيم والاقتلاع.
ومن قلب هذه التجربة جاء كتابه «الإسلام بين الشرق والغرب»، حاملًا سؤالًا يتجاوز حدود البوسنة إلى العالم كله: هل يستطيع الإنسان أن يبني حضارة متقدمة دون أن يفقد المعنى الذي يجعل لحياته غاية، ولحريته مسؤولية، ولعلمه ضميرًا يضبط اتجاهه؟
إن أهمية الكتاب تنبع من محاولته الإجابة عن هذا السؤال، ومن إصراره على أن الإسلام رؤية للحياة والإنسان، وأن فهمه يقتضي النظر إلى العقيدة والأخلاق والعمل والعمران في إطار متكامل، بعيدًا عن اختزاله في طقوس فردية أو تحويله إلى شعار سياسي.
تلخيص الكتاب في بضعة سطور
ينطلق بيجوفيتش من أن الإنسان يجمع بين أبعاد متمايزة، فهو جسد يعيش في العالم المادي، وروح تتطلع إلى المعنى، وعقل يبحث عن الحقيقة، وضمير يميز بين الخير والشر، وإرادة تتحمل مسؤولية الاختيار.
ومن هنا يناقش الاختلاف بين التصورات التي تمنح المادة أولوية مطلقة، والتصورات التي تنزع إلى تغليب الروح على شروط الحياة الواقعية، محاولًا تقديم الإسلام باعتباره رؤية تجمع بين الإيمان والعمل، وبين العبادة والعمران، وبين المسؤولية الأخلاقية والمشاركة في الحياة.
ولا يكتفي الكتاب بعرض المبادئ الإسلامية، بل يقارن بينها وبين اتجاهات في الفلسفة الغربية والفكر الديني، ويتوقف عند قضايا الفن والأخلاق والتاريخ والقانون، ويختبر قدرة المذاهب الفكرية على تفسير الإنسان وتوجيه المجتمع.
والنتيجة التي يدافع عنها هي أن الإسلام لا يطلب من الإنسان أن يهجر العالم كي يحقق غايته الروحية، ولا أن يذوب في العالم المادي حتى يفقد علاقته بخالقه، وإنما يدعوه إلى عمارة الأرض في إطار العبودية لله، والعدل، والمسؤولية، وصيانة الكرامة الإنسانية.
الفكرة المركزية: الإنسان بين الروح والمادة
تقوم الفكرة الأساسية للكتاب على رفض النظرة الأحادية إلى الإنسان، سواء أكانت هذه النظرة مادية تختزل وجوده في الجسد والمنفعة، أم مثالية تتعامل مع الحياة الواقعية كما لو كانت عبئًا ينبغي التخلص منه.
ويرى بيجوفيتش أن الصراع بين الروح والمادة ليس تفصيلًا فلسفيًّا منعزلًا، بل قضية تنعكس على التربية والفن والأخلاق والسياسة والاقتصاد، وتؤثر في الطريقة التي تنظم بها المجتمعات حياتها، وتحدد بها أولوياتها، وتفهم بها معنى النجاح والتقدم.
ومن المهم هنا ألا تُفهم ثنائية الشرق والغرب عنده باعتبارها وصفًا جغرافيًّا ثابتًا لشعوب بأكملها، فالمؤلف يناقش اتجاهات فكرية وحضارية، ويستخدم المقابلة بينهما أداة للتحليل، وإن كانت بعض تعميماته قابلة للنقاش والنقد.
فليس كل ما نشأ في الشرق روحانيًّا، ولا كل ما أنتجه الغرب ماديًّا، كما أن الحضارات الغربية نفسها عرفت تيارات دينية وأخلاقية عميقة، وشهدت المجتمعات الشرقية اتجاهات شديدة الاهتمام بالمادة والسلطة والمنفعة.
وتكمن قوة السؤال الذي يطرحه الكتاب في أنه يدعو إلى فحص المعيار الذي نقيس به الحضارة، وهل يكفي أن تتقدم التكنولوجيا، وتزداد الثروة، وتتوسع قدرة الإنسان على السيطرة على الطبيعة، حتى نحكم بأن الإنسان نفسه أصبح أفضل حالًا؟
أهم أفكار الكتاب ومحاوره
أولًا: الخلق والتطور وطبيعة الإنسان
يفتتح الكتاب نقاشه بقضية الخلق والتطور، ويضعها ضمن السؤال الأوسع المتعلق بموقع الإنسان في الكون، وبالعلاقة بين التفسير المادي للوجود والتفسير الديني الذي يربط الإنسان بالخالق والغاية.
ويحاول بيجوفيتش أن يوضح أن الخلاف لا يتعلق بالوقائع العلمية وحدها، بل يمتد إلى تفسير الإنسان نفسه، وإلى ما إذا كان بالإمكان استيعاب الوعي والضمير والمسؤولية الأخلاقية ضمن تصور مادي صرف.
ومن منظور إسلامي، فإن الإيمان بأن الله سبحانه وتعالى خالق الإنسان لا يتعارض مع الانتفاع بالعلم ومناهجه في دراسة العالم الطبيعي، لكنه يرفض تحويل التفسير العلمي إلى عقيدة مادية تنفي الخالق أو تختزل الوجود في المادة وحدها.
وتبقى قيمة هذا المحور في أنه يفتح بابًا للنقاش حول حدود المعرفة العلمية، وطبيعة الأسئلة التي يستطيع العلم التجريبي الإجابة عنها، والأسئلة الفلسفية والدينية التي تتصل بالغاية والمعنى.
ثانيًا: الثقافة والحضارة
يميز بيجوفيتش بين الثقافة والحضارة، وهو تمييز يشكل أحد المحاور الأساسية في الكتاب.
فالثقافة، في تصوره، ترتبط بعالم المعنى والقيم والوجدان والإبداع، بينما تتصل الحضارة بالجوانب التنظيمية والتقنية والمادية للحياة الاجتماعية، من الصناعة والعمران إلى المؤسسات والوسائل التي تساعد الإنسان على السيطرة على البيئة وتطوير شروط معيشته.
وهذا التمييز لا يعني أن الثقافة منفصلة تمامًا عن المجتمع، أو أن الحضارة تخلو بالضرورة من القيم، وإنما يكشف عن اختلاف الوظائف التي يؤديها كل منهما، وعن احتمال تقدم المجتمع في أحد المجالين مع تعثره في الآخر.
فقد تمتلك دولة مصانع متقدمة وجامعات ومراكز بحثية ووسائل اتصال فائقة التطور، بينما تعاني في الوقت نفسه من التفكك الأسري، أو اتساع الظلم، أو تراجع الثقة، أو ضعف الشعور بالمسؤولية العامة.
وقد يحتفظ مجتمع بتراث أخلاقي وروحي غني، لكنه يعجز عن تطوير مؤسساته وأدوات إنتاجه، فيظل محتاجًا إلى استيراد التكنولوجيا والخبرات من الآخرين.
ومن هنا تتضح أهمية التوازن الذي يدعو إليه بيجوفيتش، فالتقدم المادي مطلوب، لكنه يحتاج إلى قيم توجهه، والثقافة الروحية مهمة، لكنها لا تعفي المجتمع من واجبات العلم والعمل والتنظيم.
ثالثًا: الفن والجمال
يخصص المؤلف مساحة مهمة للفن، باعتباره مجالًا يكشف عن طبيعة الإنسان وقدرته على تجاوز المنفعة المباشرة.
فالفن لا يقتصر على صناعة الأشياء الجميلة، وإنما يرتبط بالتجربة الإنسانية، وبطريقة إدراك الإنسان للعالم، وبقدرته على التعبير عن الألم والأمل والحب والخوف والبحث عن الحقيقة.
ويتوقف بيجوفيتش عند العلاقة بين الفن والدين، وبين الفن والإلحاد، وبين الجمال والوظيفة، محاولًا بيان أن الإبداع الفني يتجاوز الحسابات المادية وحدها، وأنه يثير أسئلة تتصل بالحرية والضمير والغاية.
وتكتسب هذه الرؤية أهمية خاصة في النقاش الإسلامي حول الإبداع، إذ لا ينبغي أن تتحول الأخلاق إلى ذريعة لقتل الحس الجمالي، كما لا ينبغي أن يصبح الفن وسيلة لترويج الفحش أو امتهان الكرامة الإنسانية أو تسويق الظلم.
فالفن الرفيع قادر على أن يجمع بين جمال التعبير وعمق الفكرة، وأن يلامس التجربة الإنسانية دون أن يتخلى عن المسؤولية الأخلاقية.
رابعًا: الأخلاق ومصدر الالتزام
ينتقل الكتاب إلى الأخلاق، وهي من أكثر القضايا اتصالًا بسؤال الإنسان ومعنى وجوده.
فالقانون يستطيع أن يحدد ما يجوز وما لا يجوز، والمصلحة قد تدفع الإنسان إلى التعاون مع غيره، لكن السؤال الأعمق هو: ما الذي يجعل المرء يلتزم بالحق حين يستطيع الإفلات من العقاب، أو يرفض الظلم حين يكون الظلم في مصلحته؟
يناقش بيجوفيتش العلاقة بين الأخلاق والعقل والدين، ويتوقف عند إمكان تأسيس الالتزام الأخلاقي على المنفعة وحدها، أو على التصورات المادية التي تنظر إلى الإنسان بوصفه نتاجًا لظروفه واحتياجاته.
ومن المنظور الإسلامي، يرتبط السلوك الأخلاقي بالإيمان بالله، ومراقبته، واستحضار الحساب، مع توظيف العقل في فهم المصالح والمفاسد، والالتزام بالعدل والرحمة والوفاء بالأمانة.
وتظهر أهمية هذه القضية في الحياة العامة، حين تصبح النزاهة قيمة تتجاوز الخوف من العقوبة، ويكون احترام الحقوق واجبًا حتى عندما لا يملك صاحب الحق سلطة تحميه.
خامسًا: الثقافة والتاريخ
يناقش بيجوفيتش العلاقة بين الإنسان والتاريخ، وكيف تتشكل الحضارات من تفاعل الأفكار والمعتقدات والمؤسسات والظروف المادية.
فالتاريخ ليس سلسلة من الوقائع السياسية والحروب فحسب، وإنما هو أيضًا تاريخ القيم والتصورات التي وجهت سلوك البشر، وحددت شكل علاقاتهم، وأثرت في خياراتهم الجماعية.
وتساعد هذه الرؤية على فهم أن الحضارات لا تُقاس بما تمتلكه من قوة عسكرية أو اقتصادية فقط، وإنما بما تنتجه من معرفة، وما تقيمه من عدل، وما تتركه من آثار في حياة الناس.
كما أن قراءة التاريخ من منظور أخلاقي لا تعني تجاهل الاقتصاد والجغرافيا وموازين القوة، بل تقتضي فهم تفاعل هذه العناصر مع العقائد والأفكار، بدل اختزال التاريخ في عامل واحد.
سادسًا: الدراما والمدينة الفاضلة
يتناول الكتاب تصورات الإنسان عن المجتمع المثالي، والفارق بين المثال الأخلاقي والواقع السياسي والاجتماعي.
فالإنسان يحلم بمجتمع يسوده العدل، وتختفي منه المظالم، وتتوافر فيه الحرية والكرامة، لكن تحويل الحلم إلى واقع يقتضي فهم الطبيعة البشرية، وحدود السلطة، وتعدد المصالح، واحتمالات الانحراف.
ومن هنا يثير المؤلف أسئلة حول اليوتوبيا، أي التصورات المثالية للمجتمعات التي يُفترض أنها تجاوزت التناقضات والصراعات.
وتزداد أهمية هذا النقاش حين تتحول فكرة المجتمع المثالي إلى مشروع سياسي يفرض على الناس نموذجًا واحدًا للحياة، أو يبرر قمع المخالفين باسم المستقبل المنشود.
والرؤية الإسلامية لا تستغني عن المثال الأخلاقي، لكنها تربطه بالعدل والشورى والمسؤولية ومراعاة الواقع، ولا تمنح الحاكم أو الجماعة حق ادعاء العصمة أو تبرير الظلم باسم الغايات الكبرى.
سابعًا: موسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام
يخصص الكتاب محورًا للأنبياء الثلاثة، موسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام، في إطار بحثه في الدين والتاريخ والتصورات المختلفة للإنسان والحياة.
ويكتسب هذا المحور أهمية من موقع النبوة في فهم العلاقة بين الوحي والمجتمع، وبين الإيمان والسلوك، وبين المبادئ الدينية وشكل الحياة الإنسانية.
وفي العقيدة الإسلامية، يؤمن المسلمون بجميع الأنبياء والرسل، ويوقرون موسى وعيسى عليهما السلام، ويؤمنون بأن محمدًا صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين، وأن رسالة الإسلام جاءت مصدقة لما سبقها من الوحي ومهيمنة عليه وفق الاعتقاد الإسلامي.
وتظهر خصوصية التصور الإسلامي في أن العبادة لا تنفصل عن المسؤولية، وأن الإيمان لا يُختزل في المشاعر، بل ينعكس على العدل والإحسان والوفاء بالعهود وصيانة حقوق الناس.
ثامنًا: الإسلام والدين
يناقش بيجوفيتش الإسلام في علاقته بمفهوم الدين، محاولًا توضيح أن الإسلام، في تصوره، لا يقتصر على مجال العبادة الفردية، وإنما يتناول مختلف أبعاد الحياة الإنسانية.
فالصلاة والصيام وسائر العبادات ليست معزولة عن الأخلاق والعمل والعلاقات الاجتماعية، كما أن الإيمان لا يبرر إهمال شؤون الدنيا أو الانسحاب من مسؤوليات المجتمع.
ويستند هذا التصور إلى مبدأ التكامل بين العبادة والعمل الصالح، وهو معنى تؤكده نصوص إسلامية كثيرة، منها قوله تعالى: «وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا».
وتسمح هذه الرؤية بفهم الإسلام باعتباره إطارًا أخلاقيًّا ينظم علاقة الإنسان بربه وبنفسه وبالآخرين، دون أن يعني ذلك أن كل مسألة حديثة تجد جوابها التفصيلي في نص مباشر، أو أن الاجتهاد البشري غير مطلوب.
تاسعًا: الطبيعة الإسلامية للقانون
يتناول الكتاب علاقة القانون بالتصور الديني للإنسان، ويبحث في الأسس الأخلاقية التي تمنح التشريع معناه الإنساني.
فالقانون ليس مجرد أوامر وعقوبات، وإنما هو جزء من النظام الذي ينظم العلاقات بين الأفراد والجماعات، ويحدد الحقوق والواجبات، ويضع حدودًا للسلطة.
ومن المنظور الإسلامي، يرتبط التشريع بمبادئ العدل ورفع الظلم وحفظ الحقوق، وتظهر قيمة القانون في قدرته على حماية الإنسان من الاعتداء، ومنع تحول القوة إلى امتياز مطلق.
لكن تطبيق المبادئ على الوقائع يحتاج إلى علم واجتهاد وفهم للمقاصد والظروف، كما أن الانتساب إلى الإسلام لا يمنح أي مؤسسة أو حاكم حصانة من النقد والمساءلة.
وتتصل هذه الفكرة اتصالًا مباشرًا بأسئلة الدولة الحديثة، وموقع الدين في المجال العام، والعلاقة بين الشريعة والاجتهاد والمؤسسات القانونية، وهي أسئلة لا تزال موضع نقاش بين المفكرين والفقهاء والسياسيين.
عاشرًا: الأفكار والواقع والطريق الثالث
في المحاور الأخيرة، يناقش بيجوفيتش العلاقة بين الأفكار والواقع، ويتوقف عند الماركسية وبعض التصورات المادية والاجتماعية، كما يبحث عن إمكان تجاوز الاختيار الثنائي بين أنظمة تضع المادة في مركز اهتمامها وأخرى تفصل المثال الروحي عن شروط الحياة.
ويطرح مفهوم «الطريق الثالث خارج الإسلام» ضمن مناقشته للبدائل الفكرية، ويؤكد أن الإسلام، في رؤيته، يقدم تصورًا متكاملًا لا يذيب الإنسان في المادة ولا يفصله عن العالم.
غير أن هذه الفكرة لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها برهانًا على أن المجتمعات الإسلامية حققت بالفعل ذلك التوازن، أو أن كل نظام يرفع شعار الإسلام يجسد مبادئه في الواقع.
فالفارق كبير بين المبادئ والممارسة، وبين عدالة الفكرة وعدالة المؤسسات التي تدعي تمثيلها، وبين الدعوة إلى الكرامة الإنسانية والقدرة الفعلية على حمايتها.
وهنا يلتقي الكتاب مع سؤال لا يفقد أهميته: كيف تتحول القيم إلى نظم عادلة، وكيف يُقاس نجاح المشروع الحضاري بأثره في حياة الإنسان، لا بالشعارات التي يرفعها.
وترد هذه المحاور ضمن البناء الأصلي للكتاب، الذي ينتقل من قضايا الخلق والثقافة والفن والأخلاق إلى الدين والقانون والعلاقة بين الأفكار والواقع.
منهج الكتاب وأسلوب بيجوفيتش
يعتمد بيجوفيتش على المقارنة الفلسفية، والاستشهاد بأفكار ومواقف من مدارس فكرية متعددة، ومحاولة الكشف عن الافتراضات التي تقف خلف تصورات الإنسان والحضارة.
ويستفيد من تنوع خلفيته الأوروبية والإسلامية في مناقشة موضوعات لا تنحصر في تخصص واحد، فينتقل من الفلسفة إلى الفن، ومن الأخلاق إلى السياسة، ومن الدين إلى التاريخ، دون أن يتعامل مع هذه المجالات باعتبارها جزرًا منفصلة.
ويتميز أسلوبه بكثافة الأفكار والعبارات المكثفة، وهو ما يمنح الكتاب قابلية للاقتباس والتداول، لكنه قد يدفع بعض القراء إلى الاكتفاء بالجمل المنفردة دون الرجوع إلى سياقها، أو التعامل مع استنتاجات المؤلف باعتبارها حقائق نهائية.
والقراءة الجادة تقتضي التمييز بين ما يقرره الكاتب، وما يستنتجه من المقارنة، وما يمكن مناقشته أو الاعتراض عليه، فالقيمة الفكرية للكتاب لا تتطلب التسليم بكل أحكامه، وإنما الاستفادة من أسئلته ومراجعة حججه.
التقديم والترجمة
يحمل الغلاف المصور للطبعة المعروضة اسم الدكتور عبد الوهاب المسيري بوصفه مقدمًا للكتاب، واسم محمد يوسف عدس بوصفه مترجمًا له.
وتنبع أهمية التقديم من مكانة المسيري بوصفه مفكرًا اهتم بدراسة الفلسفات الغربية الحديثة، ونقد النزعات المادية، وتحليل علاقة الإنسان بالقيم والمنظومات الفكرية، وهي موضوعات تتقاطع مع عدد من القضايا التي يثيرها بيجوفيتش.
أما الترجمة، فتظل عنصرًا أساسيًّا في وصول الكتاب إلى القارئ العربي، لأن نقل المؤلفات الفلسفية يتطلب المحافظة على دقة المفاهيم، والفروق بين المصطلحات، والقدرة على نقل العبارة الفكرية دون إفساد معناها.
ومن المهم التنبيه إلى أن الحكم التفصيلي على جودة الترجمة أو مطابقتها للأصل يحتاج إلى مقابلة النص العربي بالنص الأصلي، ولا يكفي اسم المترجم أو شهرة الكتاب لإثبات ذلك.
أهم أقوال الكتاب والاقتباسات
تتداول بعض المواقع والصفحات العربية عبارات منسوبة إلى بيجوفيتش باعتبارها اقتباسات حرفية من «الإسلام بين الشرق والغرب»، غير أن اختلاف الترجمات والطبعات قد يؤدي إلى تغيير الألفاظ، كما قد تُنسب إلى الكتاب عبارات تلخص أفكاره دون أن تكون نصوصًا حرفية منه.
لذلك، فإن الأمانة الصحفية تقتضي عدم وضع عبارات متداولة بين علامتي اقتباس ونسبتها إلى المؤلف دون التحقق من موضعها في الطبعة المعتمدة.
ويمكن تلخيص أبرز الأفكار التي يدافع عنها الكتاب في المعاني الآتية.
يرى بيجوفيتش أن فهم الإنسان يقتضي الجمع بين أبعاده المادية والروحية، وعدم اختزاله في أحدهما.
ويؤكد أن تقدم المجتمعات لا يُقاس بالتطور التقني وحده، بل يحتاج إلى منظومة أخلاقية تمنح التقدم غايته الإنسانية.
ويناقش أن الدين والفن والأخلاق ليست موضوعات هامشية في حياة البشر، وإنما مفاتيح لفهم الوعي الإنساني ومعنى الوجود.
ويطرح الإسلام باعتباره تصورًا متكاملًا للحياة، يجمع بين الإيمان والعمل، وبين المسؤولية الروحية والمشاركة في العمران.
أما الاقتباسات الحرفية المعدة للنشر، فينبغي نقلها من صفحات الطبعة العربية نفسها مع تحديد أرقام الصفحات، منعًا للخلط بين نص المؤلف وصياغات الناقلين.
أهمية الكتاب في الفكر الإسلامي المعاصر
تنبع أهمية «الإسلام بين الشرق والغرب» من أنه يفتح باب الحوار مع الأسئلة الكبرى التي تشغل الإنسان الحديث، بدل أن يحصر الدفاع عن الإسلام في الرد على الاعتراضات الجزئية.
فالكتاب يناقش الأساس الذي تقوم عليه الحضارة، ومصدر القيمة الأخلاقية، وموقع الدين في حياة الإنسان، وحدود التقدم المادي، والعلاقة بين الحرية والمسؤولية.
كما أنه يقدم نموذجًا لمفكر مسلم تعامل مع الفلسفة الأوروبية من موقع الحوار والنقد، لا من موقع الرفض الشامل لكل ما أنتجته، ولا من موقع التسليم المطلق بأفكارها.
وقد اكتسب الكتاب انتشارًا واسعًا خارج البوسنة، وتُرجم إلى لغات متعددة، وظل حاضرًا في النقاشات المتعلقة بالإسلام والحداثة وموقع الدين في العالم المعاصر.
وتزداد قيمته في المجتمعات التي تواجه سؤالين متلازمين، أولهما كيف تستفيد من منجزات العلم والتكنولوجيا، وثانيهما كيف تحافظ على هويتها وقيمها دون أن تتحول الهوية إلى انغلاق، أو يصبح الانفتاح ذوبانًا في ثقافات الآخرين.
نقد الكتاب: بين قوة الفكرة وحدود التعميم
لا تكتمل القراءة الثقافية الجادة بالاحتفاء بالكتاب وحده، فالمؤلفات الفكرية الكبرى تستحق أن تُقرأ بإعجاب واعٍ ونقد منصف.
ومن أبرز ما يمكن مناقشته في الكتاب ميله أحيانًا إلى بناء مقابلات واسعة بين الروح والمادة، أو بين الإسلام وبعض الاتجاهات الغربية، وهي مقابلات تساعد على إبراز الفروق الفكرية، لكنها قد تختزل تنوعًا تاريخيًّا وفلسفيًّا كبيرًا في ثنائيات عامة.
فالغرب ليس كتلة فلسفية واحدة، كما أن الشرق ليس نموذجًا روحيًّا متجانسًا، وقد شهد كلاهما تيارات متباينة في الدين والفلسفة والأخلاق والسياسة.
كذلك فإن نقد المادية لا يقتضي التقليل من قيمة العلوم التجريبية أو من الإنجازات التي أسهمت في تحسين حياة البشر، كما أن نقد الانسحاب من العالم لا يلغي أهمية التزكية الروحية والتأمل والعبادة.
وثمة فرق بين إثبات أهمية الدين في بناء المعنى الأخلاقي، وإثبات أن كل مشكلة سياسية أو اجتماعية يمكن حلها بمجرد إعلان الانتماء الديني، فالمؤسسات العادلة تحتاج إلى المعرفة والكفاءة والمساءلة، إلى جانب القيم.
ومع هذه الملاحظات، يحتفظ الكتاب بقيمته بوصفه مشروعًا فكريًّا يحفز القارئ على التفكير في أسس الحضارة، ويمنحه فرصة لمراجعة المسلمات التي قد تحكم نظرته إلى الشرق والغرب، وإلى الدين والعلم، وإلى الإنسان نفسه.
الكتاب في ميزان الإسلام
ينطلق الكتاب من الدفاع عن رؤية إسلامية للإنسان والحضارة، ويؤكد أهمية الدين في بناء الأخلاق وتوجيه العمل الإنساني، وهي قضايا تحتل مكانة مركزية في التصور الإسلامي.
ويؤكد القرآن الكريم أن عمارة الأرض جزء من مسؤولية الإنسان، وأن الإيمان لا ينفصل عن العمل الصالح، قال الله تعالى: «هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا».
ويقول سبحانه: «وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا»، وهي آية تؤكد إمكان الجمع بين التطلع إلى الآخرة والانتفاع بخيرات الدنيا، مع مراعاة حدود الله وحقوق العباد.
ومن هذا المنطلق، فإن رفض اختزال الإنسان في المادة يتفق مع العقيدة الإسلامية التي تقرر أن للإنسان غاية تتجاوز الاستهلاك والمنفعة، وأن حياته مرتبطة بالعبودية لله والعمل الصالح والاستعداد للحساب.
لكن التقييم الإسلامي لأي اجتهاد فكري يقتضي كذلك التمييز بين المبادئ الصحيحة والاستنتاجات البشرية التي تحتمل الخطأ والصواب، فلا تُمنح أفكار المفكرين عصمة، ولا يُعامل كل ما يرد في كتاب فلسفي باعتباره حقيقة شرعية مقررة.
كما أن الإسلام لا يرفض العقل أو العلم، ولا يدعو إلى إهمال شؤون الدنيا، وإنما يحث على التفكر والنظر وطلب العلم، ويجعل العدل والأمانة والإحسان من مقتضيات الإيمان.
وتبقى المسؤولية الأساسية في تحويل الرؤية الحضارية إلى واقع هي إقامة العدل، وحماية الحقوق، وصيانة الكرامة الإنسانية، ومحاربة الفساد، وتوفير أسباب العلم والعمل الكريم، وهي معايير ينبغي أن يُقاس بها أداء الأفراد والمؤسسات والدول.
ومن ثم، فإن الكتاب يقدم مادة ثرية للحوار مع الفكر الإسلامي، لكنه لا يغني عن الرجوع إلى القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة، ولا عن دراسة القضايا الفلسفية والاجتماعية في ضوء الأدلة والمعرفة المتخصصة.
الكتاب والواقع المعاصر
تتجدد أسئلة بيجوفيتش في عالم أصبحت فيه التكنولوجيا جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية، وتوسعت فيه قدرة الإنسان على الاتصال والإنتاج والتحكم في الموارد، بينما بقيت قضايا الظلم والحروب والتمييز والاغتراب الأخلاقي حاضرة بقوة.
فقد أتاحت الثورة الرقمية فرصًا هائلة للتعليم والتواصل والعمل، لكنها أوجدت أيضًا تحديات تتعلق بالخصوصية، والتضليل، والإدمان الرقمي، واستغلال البيانات، وتأثير المنصات في تشكيل الوعي العام.
وفي الاقتصاد، تستطيع المؤشرات أن تقيس معدلات النمو والاستثمار والإنتاج، لكنها لا تكفي وحدها للحكم على جودة الحياة، ما لم تقترن بالنظر إلى توزيع الثروة، وفرص العمل، والعدالة الاجتماعية، وقدرة الناس على الوصول إلى التعليم والرعاية الأساسية.
وفي السياسة، قد تمتلك الدولة مؤسسات قوية وأجهزة متطورة، لكن قوة الدولة لا تعني بالضرورة عدالة نظامها، ما لم تقترن بحماية الحقوق، وخضوع السلطة للقانون، وإتاحة سبل المساءلة.
وفي الثقافة، يمكن أن تتوافر وسائل النشر والإنتاج الفني على نطاق واسع، لكن وفرة المحتوى لا تعني بالضرورة ارتفاع مستوى المعرفة أو جودة الذوق أو رسوخ القيم.
هذه الأمثلة تجعل سؤال بيجوفيتش عن العلاقة بين المادة والمعنى سؤالًا معاصرًا بامتياز، فالمشكلة ليست في التقدم ذاته، وإنما في المعايير التي توجهه، والغايات التي يخدمها، والإنسان الذي ينبغي أن يكون محورًا له.
ومن هنا يمكن قراءة الكتاب بوصفه دعوة إلى الإفادة من منجزات الحضارة الحديثة دون فقدان القدرة على نقدها، وإلى التمسك بالهوية الإسلامية دون إغلاق أبواب المعرفة والحوار، وإلى بناء نهضة تتكامل فيها الأخلاق مع العلم، والحرية مع المسؤولية، والإيمان مع العمل.
سيرة علي عزّت بيجوفيتش
ولد علي عزّت بيجوفيتش في 8 أغسطس 1925 في مدينة بوسانسكي شاماتس، في البوسنة التي كانت آنذاك جزءًا من مملكة يوغوسلافيا، ونشأ في بيئة أوروبية متعددة الأديان والثقافات، تركت أثرًا واضحًا في اهتماماته الفكرية والسياسية.
درس القانون في جامعة سراييفو، واهتم منذ شبابه بالفكر الإسلامي وبقضايا الهوية والحرية والعلاقة بين الدين والمجتمع.
وفي أربعينيات القرن العشرين تعرض للملاحقة والسجن بسبب نشاطه المرتبط بمجموعة من الشباب المسلمين، ثم عاد إلى الاعتقال في عام 1983، في محاكمة سياسية انتهت بالحكم عليه بالسجن أربعة عشر عامًا، قبل أن تُخفف العقوبة لاحقًا، ويُفرج عنه في نوفمبر 1988 بعد قضائه سنوات في السجن.
وخلال تلك المرحلة، ظل منشغلًا بالكتابة والتأمل في الدين والسياسة والتاريخ، وأصبحت تجربة السجن جزءًا من سياق فهم كتاباته عن الحرية والكرامة والسلطة.
وقد اكتمل كتاب «الإسلام بين الشرق والغرب» قبل اعتقاله الثاني، ثم نُشر باللغة الإنجليزية في الولايات المتحدة عام 1984، بينما كان مؤلفه خلف القضبان، وهو ما منح مسيرة الكتاب دلالة خاصة في سياق الصراع بين الفكر والسلطة في يوغوسلافيا آنذاك.
ومع التحولات السياسية التي شهدتها أوروبا الشرقية في أواخر الثمانينيات، أسهم بيجوفيتش في تأسيس حزب العمل الديمقراطي، وبرز بوصفه أحد القادة السياسيين للمسلمين في البوسنة والهرسك.
وفي عام 1990 أصبح رئيسًا لرئاسة البوسنة والهرسك، ثم قاد البلاد خلال حرب التسعينيات التي رافقتها جرائم حرب وعمليات تطهير عرقي ومجازر، وكان من أبرزها مذبحة سربرنيتسا عام 1995.
وشكلت تلك الحرب اختبارًا قاسيًا لأفكاره ومواقفه، إذ انتقل من التأمل النظري في الإنسان والحرية والعدل إلى مواجهة أسئلة البقاء والسيادة وحماية السكان في واقع تتداخل فيه الاعتبارات العسكرية والسياسية والإنسانية.
وبعد اتفاق دايتون للسلام عام 1995، استمرت مشاركته في قيادة الدولة ضمن نظام الرئاسة الجماعية الذي أُقر في الاتفاق، ثم ابتعد عن المنصب السياسي عام 2000.
توفي بيجوفيتش في سراييفو يوم 19 أكتوبر 2003، تاركًا مؤلفات فكرية وسياسية من أبرزها «الإسلام بين الشرق والغرب»، و«الإعلان الإسلامي»، و«هروبي إلى الحرية».
وتظل سيرته مثالًا على تداخل الفكر بالسياسة في حياة مفكر عاش التحولات الكبرى في بلاده، من الحكم الشيوعي إلى الاستقلال والحرب وإعادة بناء الدولة.
كتب أخرى لبيجوفيتش
إلى جانب «الإسلام بين الشرق والغرب»، ترك بيجوفيتش عددًا من المؤلفات التي تكشف جوانب أخرى من مشروعه الفكري والسياسي.
الإعلان الإسلامي
يتناول هذا العمل رؤيته للعلاقة بين الإسلام والمجتمع والنظام السياسي، وقد ارتبط اسمه بالجدل الذي أحاط بمواقفه الفكرية في يوغوسلافيا السابقة، ولذلك ينبغي قراءته في سياقه التاريخي والسياسي، مع التمييز بين النصوص الأصلية والتفسيرات التي قدمها خصومه أو أنصاره.
هروبي إلى الحرية
يضم تأملات وخواطر كتبها خلال تجربته في السجن، ويتناول الحياة والقدر والدين والسياسة والقراءة، ويكشف عن الجانب الشخصي في تكوينه الفكري.
وتساعد قراءة هذه الأعمال مجتمعة على فهم تطور أفكاره، والتمييز بين كتاباته الفلسفية العامة ونصوصه ذات الطابع السياسي المباشر.
كتب مشابهة لمن يريد التوسع في الفكر الإسلامي والحضاري
يمكن للقارئ الراغب في استكمال رحلة القراءة أن يتجه إلى عدد من المؤلفات التي تتقاطع مع أسئلة الكتاب، مع اختلاف مناهج أصحابها ونتائجهم.
«ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين» لأبي الحسن الندوي
يتناول أثر تراجع المسلمين في الحياة الحضارية، ويعرض رؤية إصلاحية تربط النهضة بتجديد الصلة بالدين وإحياء المسؤولية الأخلاقية.
«شروط النهضة» لمالك بن نبي
يناقش عوامل النهضة والتخلف، والعلاقة بين الإنسان والوقت والموارد، ودور الأفكار في بناء المجتمع، وهو من الكتب المهمة لفهم مشكلات النهضة في المجتمعات الإسلامية.
«مفهوم الحرية» لعبد الله العروي
يقدم معالجة فكرية وتاريخية لمفهوم الحرية وتحولاته، بما يساعد على توسيع النقاش حول الفرد والمجتمع والدولة.
«العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة» لعبد الوهاب المسيري
يبحث في مفهوم العلمانية وتطبيقاته المختلفة، ويفرق بين الجوانب الإجرائية في تنظيم بعض شؤون الحياة وبين التصورات الفلسفية الشاملة للإنسان والعالم.
«الظاهرة القرآنية» لمالك بن نبي
يتناول الوحي والنبوة والقرآن من زاوية فكرية وفلسفية، ويقدم مدخلًا مختلفًا إلى بعض الأسئلة المتعلقة بالدين والعقل والتاريخ.
ولا تعني المقارنة بين هذه الكتب تطابقها في الرؤية أو المنهج، وإنما تتيح للقارئ بناء معرفة أوسع بالسجالات الفكرية التي تناولت النهضة والهوية والدين والحضارة.
حين يصبح السؤال عن الإنسان سؤالًا عن الحضارة
يظل «الإسلام بين الشرق والغرب» كتابًا جديرًا بالقراءة لأنه يضع الإنسان في قلب النقاش الحضاري، ويعيد طرح أسئلة لا تكفي التكنولوجيا ولا الثروة ولا الشعارات السياسية للإجابة عنها.
وتكمن أهميته في محاولته إقامة حوار بين الإسلام والفلسفة الحديثة، وبين القيم الروحية وشروط الحياة الواقعية، وبين الحاجة إلى التقدم وضرورة أن يظل هذا التقدم خادمًا للإنسان وكرامته.
وقد يختلف القارئ مع بعض تعميمات بيجوفيتش أو استنتاجاته، لكن الاختلاف معه لا يلغي قيمة الأسئلة التي أثارها، ولا أهمية العودة إلى أفكاره في زمن تتسع فيه القدرات التقنية بينما تتجدد التحديات الأخلاقية والاجتماعية.
لقد عاش الرجل تجربة جعلت الكتابة عنده متصلة بالحرية، وجعلت الفكرة جزءًا من معركة أوسع حول معنى الإنسان ومصير المجتمع، فبقي كتابه شاهدًا على أن النهضة الحقيقية تحتاج إلى عقل يعمل، وضمير يقظ، وإيمان يمنح الحياة غايتها، وعدل يحفظ للإنسان حقه وكرامته.


