انطلقت أعمال القمة الأوروبية الكندية في مدينة مونتريال بمشاركة رئيس الوزراء الكندي مارك كارني ورئيسة المفوضية أورسولا فون دير لاين ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا.
وتستهدف القمة إطلاق إطار استراتيجي تحت اسم “تحالف المستقبل” لتنسيق التعاون في مجالات الدفاع والتجارة والمعادن الحيوية والطاقة، في خطوة تستهدف تقليل الاعتماد الاقتصادي على السوق الأمريكية وتجنب الاضطرابات التجارية الدولية.
صياغة الاتفاقات وتجاوز الخلاف
تخلت مسودة الإعلان المشترك عن مصطلح “العضوية المشاركة” لكندا بعد اعتراضات من فرنسا وألمانيا لعدم وجود أساس قانوني بالمعاهدات؛ واتفق الطرفان على مراجعة صيغة التعاون بحلول عام 2027، بما يضمن بناء علاقات أعمق من الشراكات التقليدية دون المساس بقواعد الاتحاد الداخلية.
دوافع التنويع وأبعاد التجارة
يسعى مارك كارني لتنويع أسواق الصادرات الكندية والحد من التأثر بالرسوم الأمريكية، في حين ترى أوروبا في كندا مصدراً موثوقاً للمعادن الاستراتيجية؛ حيث أظهرت بيانات المجلس الأوروبي ارتفاع حجم التجارة بين الجانبين إلى 130 مليار يورو عام 2025، بزيادة بلغت 80% مقارنة بعام 2016.
التوازن الجيوسياسي والموقف الأمريكي
تأتي القمة وسط توترات تجارية واضحة مع واشنطن وتحذيرات من إجراءات حمائية مضادة؛ إلا أن التحالف الجديد يركز على تدعيم الخيارات الاقتصادية تدريجياً دون الذهاب إلى مواجهة مباشرة مع واشنطن، نظراً لتعقد سلاسل الإمداد والروابط الدفاعية والاستثمارية العابرة للأطلسي.
كتلة اقتصادية منافسة
تؤشر القمة الأوروبية الكندية على رغبة الطرفين في بناء كتلة اقتصادية أكثر مرونة وقدرة على امتصاص الصدمات الجيوسياسية.
ويظل نجاح هذا التحالف مرتبطا بالقدرة على تسوية التحفظات القانونية داخل الاتحاد الأوروبي وتسهيل التجارة الرقمية وتأمين الإمدادات ببرامج استثمارية ملموسة.
وتثبت محادثات مونتريال وجود توجه أورو-كندي جاد لإعادة هيكلة الشراكات الاستراتيجية، غير أن الاستقلال الاقتصادي الكامل عن واشنطن يظل تحركاً بطيئاً ومعقداً يرتبط بالربحية والبنية التحتية.
إن التخلي عن مصطلحات العضوية المبتكرة يعكس حرص العواصم الأوروبية على حماية البناء القانوني للاتحاد، مع الإبقاء على أبواب التعاون الاقتصادي والتكنولوجي مفتوحة أمام أوتاوا بشكل موسع.
تخطيط للانفصال المستقبلى
لا تستطيع أوروبا وكندا “الاستغناء الكامل” عن الولايات المتحدة الأمريكية على المدى القريب أو المتوسط.
وما يشهده المسرح الدولي اليوم عبر قمم ومبادرات مثل “تحالف المستقبل” بين مونتريال وبروكسل ليس مساراً للانفصال التام، بل استراتيجية عملية تُعرف بـ “تقليل المخاطر” (De-risking) وتنويع الخيارات الاقتصادية والأمنية لتجنب الهزات السياسية والتجارية القادمة من واشنطن.
قيود الجغرافيا والاقتصاد
تفرض الجغرافيا القارية واقعاً حاسماً على كندا؛ إذ تستوعب السوق الأمريكية نحو 70% من إجمالي الصادرات الكندية. وعلى الرغم من توقيع اتفاقيات التجارة مع أوروبا، إلا أن تكاليف النقل وشبكات الإمداد والموانئ تجعل من المستحيل استبدال السوق الأمريكية المباشرة بالسوق الأوروبية العابرة للأطلسي بالكامل.
الفجوة العسكرية والأمنية
تعتمد أوروبا وكندا بشكل أساسي على المظلة الأمنية والعسكرية الأمريكية تحت مظلة حلف شمال الأطلسي (الناتو).
ورغم محاولات أوروبا لزيادة إنفاقها الدفاعي وتأسيس مبادرات شراء مشترك، وتوقيع كندا لاتفاقيات مشاركة دفاعية مع الاتحاد الأوروبي، تظل التكنولوجيا والقدرات الاستخباراتية والنووية الأمريكية هي العمود الفقري للدفاع القاري والأوروبي.
الهيمنة التكنولوجية والمالية
تستند القطاعات المالية والتكنولوجية في كندا وأوروبا بشكل وثيق إلى الشركات الأمريكية العملاقة والبنية التحتية الرقمية وسلاسل إمداد البرمجيات، إلى جانب السيطرة المطلقة للذخائر المالية والدولار الأمريكي على المعاملات والاحتياطيات الدولية، مما يحد من فرص الاستغناء الهيكلي.