دخل الخطاب اليمني في الأمم المتحدة مرحلة أكثر وضوحاً في تحديد أهداف المرحلة المقبلة، بعدما أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد محمد العليمي فتح باب العودة إلى صف الحكومة، متعهداً بالعفو عن المقاتلين والمنتسبين إلى جماعة الحوثيين الذين يتركون القتال أو العمل لصالحها، بالتزامن مع دعوة اليمنيين إلى التعبئة العامة والنفير الوطني.
وجاءت الدعوة في توقيت تشهد فيه الساحة اليمنية تصعيداً ميدانياً، خصوصاً مع الحديث عن مواجهات في مناطق من ساحل البحر الأحمر وبالقرب من باب المندب، وهو ما منح كلمة العليمي في الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة أبعاداً سياسية وعسكرية تتجاوز مجرد عرض الموقف الرسمي للحكومة.
عفو مقابل الانسحاب من القتال
أبرز ما حمله الخطاب كان الإعلان عن مبادرة للعفو، إذ أكد العليمي أن الدولة مستعدة لفتح طريق للعودة الآمنة إلى صف الجمهورية والشرعية الدستورية لكل من يترك الحوثيين ويتوقف عن القتال أو العمل لصالحهم.
وأوضح أن العفو سيطبق على من يبادر إلى ترك الجماعة اعتباراً من تاريخ إعلان المبادرة، على أن تتم الإجراءات وفق الأطر الدستورية والقانونية، مع التأكيد على معالجة أوضاع منتسبي الجيش والأمن بما يحفظ حقوقهم الوظيفية.
وتحمل المبادرة بعداً يتجاوز الجانب القانوني، لأنها تستهدف، بحسب مضمون الخطاب، الفصل بين السكان الواقعين تحت سيطرة الحوثيين وبين المقاتلين العاملين في صفوف الجماعة. فالعليمي حرص على التأكيد أن الدولة لا تنظر إلى سكان تلك المناطق باعتبارهم خصوماً، بل باعتبارهم جزءاً من المجتمع اليمني وأصحاب مصلحة في إنهاء الحرب.
ويرى أحمد الشلفي، محرر الشؤون اليمنية في قناة الجزيرة، أن هذه الرسالة قد لا تحقق تحولاً فورياً في الميدان، لكنها يمكن أن تكتسب أهمية مع مرور الوقت، خصوصاً إذا وجد أفراد داخل مناطق سيطرة الحوثيين فرصة للانضمام إلى الحكومة أو الابتعاد عن القتال.
من الدفاع إلى هدف صنعاء
لم يكتف العليمي بالدعوة إلى التعبئة، بل حدد للمرة الأولى في خطابه الهدف السياسي والعسكري بصورة مباشرة، عندما أكد أن الحكومة تريد استعادة مؤسسات الدولة وبسط سيادتها على كامل الأراضي اليمنية وصولاً إلى صنعاء.
وهذه الصياغة تجعل الخطاب أقرب إلى إعلان سياسي عن مرحلة جديدة في الحرب، بدلاً من الاكتفاء بتأكيد المواقف العامة المتعلقة باستعادة الدولة.
وبحسب الشلفي، فإن إعلان الوصول إلى صنعاء يحدد بوضوح ما تريده الحكومة من الحرب، لكنه في الوقت نفسه يعني أن تحقيق هذا الهدف يحتاج إلى متطلبات سياسية وعسكرية كبيرة، في مقدمتها وجود غطاء إقليمي ودولي، وقرار سياسي وعسكري موحد، وقدرات قتالية قادرة على مواصلة العمليات.
ويشير الشلفي إلى أن الوضع العسكري شهد خلال الفترة الأخيرة تغيراً مقارنة بالمراحل التي كانت فيها القوات الحكومية في موقع دفاعي بصورة أكبر، لافتاً إلى تعدد القوات والأدوات العسكرية التابعة للحكومة، وإلى ما يعتبره تطوراً في قدراتها الجوية والطائرات المسيرة.
لكن هذه المعطيات لا تعني انتهاء قدرة الحوثيين على القتال، إذ يؤكد الشلفي أن الجماعة لا تزال قادرة على الصمود والمبادرة، وأن خطوط المواجهة شهدت خلال الأيام الماضية تقدماً وتراجعاً متبادلين.
التعبئة تتجاوز الجبهة العسكرية
الدعوة التي وجهها العليمي إلى اليمنيين لم تكن موجهة فقط إلى الراغبين في حمل السلاح، إذ شدد على أن التعبئة الوطنية تشمل إسهام كل مواطن من موقعه في الدفاع عن مؤسسات الدولة.
وحاول الخطاب تقديم التعبئة باعتبارها مشروعاً وطنياً واسعاً، وليس مجرد حملة لتوسيع صفوف القوات الحكومية. كما دعا القبائل إلى مساندة مؤسسات الدولة والقوات المسلحة والأمن، والحفاظ على وحدة الصف ومنع الثارات والانتقام.
ويكشف ذلك عن محاولة الجمع بين التحرك العسكري وإعادة بناء الحاضنة السياسية والاجتماعية للحكومة، خصوصاً في المناطق التي يمكن أن تتأثر بتوسع المواجهات.
كما أن تأكيد العليمي أن القوات المسلحة ينبغي ألا تكون مجرد أداة لاستعادة الأراضي، وإنما مؤسسة تستعيد ثقة المواطنين، يضع مسألة إدارة المناطق بعد انتهاء المعارك ضمن الحسابات السياسية للمرحلة المقبلة.
رسالة إلى سكان مناطق الحوثيين
خصص العليمي جزءاً مهماً من خطابه لسكان المحافظات الخاضعة لسيطرة الحوثيين، في محاولة لإرسال رسالة مختلفة عن الخطاب العسكري المباشر.
وقال إن هؤلاء السكان تحملوا جانباً كبيراً من تبعات الحرب، مشيراً إلى توقف الرواتب والنزوح وتدهور الظروف المعيشية، ومؤكداً أن الدولة لا تعتبرهم طرفاً في الصراع.
وتكتسب هذه الرسالة أهمية سياسية لأن أي محاولة لتغيير خريطة السيطرة في اليمن لا تتوقف على العمليات العسكرية وحدها، بل تحتاج أيضاً إلى التعامل مع السكان المحليين ومخاوفهم من الانتقام أو الإقصاء.
ولهذا شدد العليمي على أن فرض السيطرة بالسلاح لا ينتقص من مكانة سكان المناطق الخاضعة للحوثيين، وأن الدولة تريد، وفق خطابه، وطناً يتسع لجميع اليمنيين.
ويرى الشلفي أن هذه الرسالة تمثل جانباً من محاولة طمأنة السكان، إلى جانب طمأنة القوى اليمنية المختلفة والشركاء الإقليميين والدوليين.
باب المندب يدخل الحسابات الدولية
لم يكن الحديث عن ساحل البحر الأحمر وباب المندب تفصيلاً عابراً في خطاب العليمي، في ظل الموقع الجغرافي لليمن وتأثير أمن الممرات البحرية على التجارة الدولية.
وبحسب قراءة الشلفي، فإن الإشارة إلى باب المندب تحمل رسالة إلى المجتمع الدولي مفادها أن الحرب اليمنية لا تنحصر آثارها داخل الحدود، وأن أمن الممر البحري يرتبط مباشرة بالمصالح الإقليمية والدولية.
وهنا يتحول الملف اليمني من صراع على السلطة والأراضي إلى قضية ذات امتدادات بحرية واستراتيجية، خصوصاً مع استمرار الاهتمام الدولي بأمن الملاحة في البحر الأحمر.
ومن هذه الزاوية، يمكن فهم تركيز العليمي على أن الدولة اليمنية تريد استعادة السيطرة على مؤسساتها ومنافذها وأراضيها، باعتباره جزءاً من محاولة الحصول على دعم خارجي للموقف الحكومي.
الجنوب حاضر في الحسابات
وفي مقابل التصعيد العسكري، حرص العليمي على إبقاء الباب السياسي مفتوحاً في القضية الجنوبية، مؤكداً التزام مجلس القيادة والحكومة بما سينتهي إليه الحوار الجنوبي-الجنوبي الذي ترعاه السعودية.
ويشير هذا الجزء من الخطاب إلى إدراك الحكومة أن أي تقدم عسكري في مواجهة الحوثيين لا يحل تلقائياً الخلافات بين القوى المناهضة لهم.
كما أن الإشارة إلى الحوار تحمل رسالة إلى القوى الجنوبية بأن الملف سيظل حاضراً في التسوية السياسية، في وقت شهد فيه الجنوب خلال مراحل مختلفة تنافساً بين أطراف وقوى محسوبة على المعسكر المناهض للحوثيين.
شروط التحول العسكري
وفق قراءة الشلفي، فإن انتقال الحكومة من إعلان الهدف إلى تحقيقه ميدانياً يرتبط بثلاثة عناصر رئيسية: الغطاء السياسي الإقليمي والدولي، وتوحيد القرار السياسي والعسكري، ثم امتلاك القدرة القتالية اللازمة.
ويأتي العنصر الثاني تحديداً في ظل تاريخ طويل من الانقسامات داخل المعسكر المناهض للحوثيين، حيث أدى تعدد القوى والتشكيلات إلى تعقيد عملية اتخاذ القرار العسكري والسياسي.
أما على المستوى الميداني، فيشير الشلفي إلى أن إعادة هيكلة القوات وتعدد أدوات القتال قد يمنح الحكومة إمكانات مختلفة عما كان متاحاً لها في مراحل سابقة، لكنه يؤكد في الوقت نفسه أن الحوثيين ما زالوا يحتفظون بقدرة على الصمود والمبادرة.
وبذلك لا يبدو خطاب العليمي إعلاناً عن نهاية الحرب، بل إعلاناً عن محاولة نقلها إلى مرحلة ذات أهداف أكثر تحديداً، تتداخل فيها العمليات العسكرية مع الضغط السياسي واستقطاب المقاتلين والسكان.
اختبار صعب أمام الحكومة
الرسالة الأبرز في خطاب العليمي تتمثل في الجمع بين التصعيد والمصالحة في وقت واحد: دعوة إلى النفير والتعبئة من جهة، وعفو عن المنخرطين في صفوف الحوثيين من جهة أخرى.
وهذا الجمع يضع الحكومة أمام اختبار مزدوج؛ فهي مطالبة بإقناع مؤيديها بأن لديها استراتيجية لاستعادة مؤسسات الدولة، وفي الوقت نفسه بإقناع خصومها وسكان مناطق سيطرتهم بأن الانتقال إلى مرحلة ما بعد الحرب لن يقوم على الانتقام.
كما أن الوصول إلى صنعاء، الذي حدده العليمي كهدف سياسي وعسكري، يبقى مرتبطاً بتطورات الميدان وبموقف القوى الإقليمية والدولية وبمدى قدرة الحكومة على الحفاظ على وحدة القوى المناهضة للحوثيين.
وفي المقابل، فإن استمرار الحديث عن الحوار الجنوبي يؤكد أن مستقبل اليمن لن تحدده الجبهة مع الحوثيين وحدها، بل ستتداخل معه أسئلة شكل الدولة، والقضية الجنوبية، وترتيبات السلطة، ومستقبل القوات والتشكيلات المسلحة.
وهكذا يضع خطاب العليمي اليمن أمام مرحلة جديدة عنوانها استعادة الدولة، لكنه في الوقت نفسه يكشف أن الطريق إلى هذا الهدف يمر عبر مسارات متوازية: معركة عسكرية، ومبادرة للعفو، وتعبئة شعبية، وحوار جنوبي، ورسائل موجهة إلى المجتمع الدولي بشأن أمن البحر الأحمر وباب المندب.
ويبقى نجاح هذه المسارات مرتبطاً بقدرة الأطراف اليمنية على تحويل المواقف المعلنة إلى ترتيبات سياسية وعسكرية قابلة للتنفيذ، في بلد أنهكته سنوات الحرب والانقسام.


