أَبُو الطَّيِّب المُتَنَبِّي أحمَدُ بن الحُسَينِ الجُعْفِيُّ الكِنْدِيُّ الكُوفِيُّ (303– 354 هـ / 915– 965 م) الكوفة – العراق
يُعد أبو الطيب أحمد بن الحسين المتنبي (915-965م) أحد أعظم شعراء العرب على مر العصور، إن لم يكن أعظمهم على الإطلاق.
تميز شعره بقوة المعنى، وفخامة اللفظ، وحكمة الاختراع، وجرأة الصورة.
عاش حياة مضطربة أشبه بملحمة شعرية، جمعت بين طموح الملك وشغف الشهرة، وانتهت مأساوية على يد قطاع الطرق.
هذا التقرير يستعرض أهم محطات حياته وشعره.
العصر الذي نشأ فيه
نشأ المتنبي في مدينة الكوفة في عصر الدولة العباسية في مرحلة ضعفها وتفككها، حيث ظهرت دويلات وإمارات محلية مثل الإخشيديين في مصر، والحمدانيين في الشام والجزيرة الفراتية، والبويهيين في العراق وفارس.
كان هذا العصر عصر صراعات سياسية واحتكاك بالثقافات الأخرى، مما أتاح مساحة للشعراء للتنقل بين الأمراء والمدح.
كما ازدهرت فيه الفلسفة والعلوم، لكن النزعة العسكرية والفروسية كانت طاغية.
بداياته الشعرية
نشأ المتنبي في الكوفة، بيئة العلم والشعر.
بدأ يقول الشعر مبكراً، وظهرت عليه نزعة التمرد والطموح غير العادي.
ارتبطت بداياته بظهور دعوته إلى الإباضية أو ما يشبهها في الشام، فلقب بـ”المتنبي” نسبة إلى ادعائه النبوة أو النبوغ الفائق، وهي تهمة ظلت تلاحقه.
سجن بسببها ثم أطلق سراحه بعد توبته، لكن بقيت في نفسه نار الطموح إلى الزعامة والسيادة.
المتنبي السياسي وتحولاته
لم يكن المتنبي شاعراً فقط، بل كان يطمح إلى دور سياسي كقائد أو وزير أو حاكم.
دفعته طموحاته إلى التنقل بين بلاطات الأمراء.
غادر الكوفة إلى الشام، ثم إلى مصر عند كافور الإخشيدي، ثم إلى حلب عند سيف الدولة الحمداني، ثم عاد إلى بغداد والري عند ابن العميد.
كل محاولاته للوصول إلى السلطة باءت بالفشل، واتهمه خصومه بالكذب والغدر والطمع.
جولاته في بلاد العرب
تجول المتنبي في معظم أنحاء العالم العربي آنذاك:
العراق: الكوفة وبغداد.
الشام: دمشق، حمص، أنطاكية، وحلب (عند سيف الدولة).
مصر: حيث أقام في بلاط كافور الإخشيدي، لكنه هجاه عندما لم ينله ما طمح إليه من إمارة.
بلاد فارس: الري وأصفهان عند آل بويه والعميد.
هذه الجولات جعلته على اتصال مباشر بالصحراء والحرب والحضارة، وانعكست في شعره صوراً بدوية وفروسية وبلاغية عالية.
شعر المديح عند المتنبي
يُعتبر المتنبي أستاذاً للمدح في الشعر العربي.
كان يمتدح الأمراء والوزراء، لكن مدحه لا يخلو من عزة نفس وفخر.
أشهر ممدوحيه هو سيف الدولة الحمداني، أمير حلب، الذي مدحه بأكثر من 80 قصيدة.
في مدحه، كان يرفع من قدر الممدوح إلى عنان السماء، لكنه في الوقت نفسه لا ينحني ولا يتوسل.
غرور المتنبي في شعره
لم يكن غرور المتنبي مجرد نزوة عابرة، بل كان جوهر تجربته الشعرية وروح قصائده.
لقد رفع نفسه في شعره إلى مصاف الملوك والأبطال، بل تجاوزهم أحياناً إلى مرتبة شبه أسطورية.
من أشهر أبياته التي تعبر عن هذا الغرور الفاحش قوله:
أنَا الّذِي نَظَرَ الأعْمَى إلى أدَبِي
وَأسْمَعَتْ كَلِمَاتِي مَنْ بِهِ صَمَمُ
فكأنه هنا يزعم أن كلماته قادرة على إعادة البصر للأعمى والسمع للأصم، وهو تعبير مبالغ فيه لكنه يدل على ثقته المطلقة في قوة شعره.
ومن غروره أيضاً قوله:
أَنَامُ مِلْءَ جُفُونِي عَنْ شَوَارِدِهَا
وَيَسْهَرُ الخَلْقُ جَرَّاهَا وَيَخْتَصِمُ
هذا على سبيل المثال، لا الحصر
هذا الغرور جعله مختلفاً عن سائر الشعراء، فلم يمدح غيره إلا وهو يشعر أنه ند له أو أعلى منه.
أهم قصائد المتنبي
من أشهر قصائد المتنبي:
الخيل والليل والبيداء تعرفني (من قصيدة يمدح بها سيف الدولة): تتضمن معاني الفخر والبطولة.
إذا رَأيْتَ نُيُوبَ اللّيْثِ بارِزَةً (حكمة وشجاعة).
عَلى قَدْرِ أهْلِ العَزْمِ تَأتِي العَزائِمُ (تأمل في القدر والهمة).
وَما نَيْلُ المَطَالِبِ بِالتَّمَنِّي (في ضرورة العمل والغلبة).
إِذا أَنتَ أَكرمتَ الكَريمَ ملكتَه (حكمة في التعامل مع الناس).
اقتباسات
أَنَا الَّذِي نَظَرَ الأَعْمَى إِلَى أَدَبِي
وَأَسْمَعَتْ كَلِمَاتِي مَنْ بِهِ صَمَمُ
الخَيْلُ وَاللَّيْلُ وَالْبَيْدَاءُ تَعْرِفُنِي
وَالسَّيْفُ وَالرُّمْحُ وَالْقِرْطَاسُ وَالْقَلَمُ
إِذَا رَأَيْتَ نُيُوبَ اللّيْثِ بَارِزَةً
فَلَا تَظُنَّنَّ أَنَّ اللّيْثَ يَبْتَسِمُ
لماذا اعتبروه كبير الشعراء العرب
اعتُبر المتنبي كبير الشعراء العرب للأسباب التالية:
أولاً – قوة المعنى: شعره نادراً ما يكون مبتذلاً أو مكرراً، بل يحمل معانٍ جديدة وحكماً بليغة.
ثانياً – فخامة اللفظ: اختياره للكلمات الجزلة القوية المناسبة للمعنى.
ثالثاً – الجرأة: لم يتردد في التعبير عن طموحه وعزة نفسه، حتى لو أغضب الممدوحين.
رابعاً – القدرة على التصوير: يرسم مشاهد الحرب، والفروسية، والفخر، والحكمة بطريقة تشبه النقش على صخر.
خامساً – خلود القصائد: ما زال الناس يتمثلون بشعره في حياتهم اليومية.
نقد المتنبي
لم يسلم المتنبي من النقد، حتى من معاصريه والمتأخرين:
اتهم بالكذب والغلو: مثل دعواه النبوة سابقاً، ومبالغته في وصف شجاعة نفسه أو الممدوح.
التناقض: كان يمدح أميراً ثم يهجوه بعد رحيله (مثل كافور الإخشيدي).
الصعوبة والتعقيد: بعض قصائده تحتاج إلى شرح لغوي طويل.
عزة النفس المفرطة: جعلته يخسر فرصاً سياسية ويهجو من أحسن إليه إذا لم يحقق له كل طموحاته.
أبرز النقاد القدامى الذين انتقدوه: أبو علي الفارسي، والجرجاني، وابن رشيق القيرواني.
لكن إجماع النقاد والجمهور على عظمته ظل أقوى من هذه النقود.
موت المتنبي
في عام 965م، غادر المتنبي بغداد متوجهاً إلى فارس.
في الطريق بالقرب من بغداد، اعترضته عصابة من قطاع الطرق بقيادة رجل يُدعى “فاتك بن أبي جهل الأسدي”.
حاول المتنبي الفرار، لكن ابنه محمد وغيلمانه صرخوا به: “ألا يا أبا الطيب، وأنت القائل: الخيل والليل والبيداء تعرفني؟!”
فعاد ليواجه قطاع الطرق ويقاتل حتى قُتل مع ابنه وغلمانه.
كانت نهاية بليلة لشاعر عاش بالفخر ومات بالشجاعة.
المتنبي.. سيّد الشعراء
يبقى المتنبي ظاهرة فريدة في تاريخ الأدب العربي.
جمع في حياته بين المتناقضات: شاعراً وسياسياً، مادحاً وهاجياً، عاقلاً ومتمرداً.
شعره يدرس في المدارس والجامعات، وتتناقله الألسن في كل مكان.
ورغم مرور أكثر من ألف عام على موته، لا يزال المتنبي حاضراً بقوة في الضمير العربي، لأنه استطاع أن يصوغ بأبياته أعمق مشاعر الإنسان العربي: الكبرياء، الطموح، الشجاعة، والحكمة.
هو حقاً شاعر “الذات الإنسانية” قبل أن يكون شاعراً لعصر معين.
—————————
وَاحَـرّ قَلْبـاهُ مـمّنْ قَلْبُـهُ شَبِـمُ
وَمَنْ بجِسْمـي وَحالي عِنـدَهُ سَقَـمُ
ما لي أُكَتِّمُ حُبًّا قَدْ بَـرَى جَسَـدي
وَتَدّعي حُبّ سَيفِ الدّوْلـةِ الأُمَـم ُ
إنْ كَـانَ يَجْمَعُنَـا حُـبٌّ لِغُرّتِـهِ
فَلَيْتَ أنّـا بِقَـدْرِ الحُـبّ نَقْتَسِـمُ
قد زُرْتُهُ وَسُيُـوفُ الهِنْـدِ مُغْمَـدَةٌ
وَقـد نَظَـرْتُ إلَيْـهِ وَالسّيُـوفُ دَمُ
فكـانَ أحْسَـنَ خَلـقِ الله كُلّهِـمِ
وَكانَ أحسنَ ما فِي الأحسَنِ الشّيَـمُ
فَوْتُ العَـدُوّ الـذي يَمّمْتَـهُ ظَفَـرٌ
فِـي طَيّـهِ أسَـفٌ فِي طَيّـهِ نِعَـمُ
قد نابَ عنكَ شديدُ الخوْفِ وَاصْطنعتْ
لَكَ المَهـابَـةُ ما لا تَصْنَـعُ البُهَـمُ
ألزَمْتَ نَفْسَكَ شَيْئـاً لَيـسَ يَلزَمُهـا
أنْ لا يُـوارِيَهُـمْ أرْضٌ وَلا عَـلَـمُ
أكُلّمَا رُمْتَ جَيْشـاً فانْثَنَـى هَرَبـاً
تَصَرّفَـتْ بِـكَ فِي آثَـارِهِ الهِمَـمُ
عَلَيْـكَ هَزْمُهُـمُ فِي كـلّ مُعْتَـرَكٍ
وَمَا عَلَيْـكَ بِهِمْ عَـارٌ إذا انهَزَمُـوا
أمَا تَرَى ظَفَراً حُلْـواً سِـوَى ظَفَـرٍ
تَصافَحَتْ فيهِ بِيضُ الـهِنْدِ وَاللِّمـمُ
يا أعدَلَ النّـاسِ إلاّ فِـي مُعامَلَتـي
فيكَ الخِصامُ وَأنتَ الخصْمُ وَالحكَـمُ
أُعِيذُهـا نَظَـراتٍ مِنْـكَ صادِقَـةً
أن تحسَبَ الشّحمَ فيمن شحمـهُ وَرَمُ
وَمَا انْتِفَـاعُ أخـي الدّنْيَـا بِنَاظِـرِهِ
إذا اسْتَوَتْ عِنْـدَهُ الأنْـوارُ وَالظُّلَـمُ
سَيعْلَمُ الجَمعُ مـمّنْ ضَـمّ مَجلِسُنـا
بأنّني خَيـرُ مَنْ تَسْعَـى بـهِ قَـدَمُ
أنَا الذي نَظَـرَ الأعْمَـى إلى أدَبـي
وَأسْمَعَتْ كَلِماتـي مَنْ بـهِ صَمَـمُ
أنَامُ مِلْءَ جُفُونـي عَـنْ شَوَارِدِهَـا
وَيَسْهَـرُ الخَلْـقُ جَرّاهَـا وَيخْتَصِـمُ
وَجاهِلٍ مَـدّهُ فِي جَهْلِـهِ ضَحِكـي
حَتَّـى أتَتْـه يَـدٌ فَـرّاسَـةٌ وَفَـمُ
إذا رَأيْـتَ نُيُـوبَ اللّيْـثِ بـارِزَةً
فَـلا تَظُـنّـنّ أنّ اللّيْـثَ يَبْتَسِـمُ
وَمُهْجَةٍ مُهْجَتـي من هَمّ صَاحِبـها
أدرَكْتُـهَا بجَـوَادٍ ظَـهْـرُه حَـرَمُ
رِجلاهُ فِي الرّكضِ رِجلٌ وَاليدانِ يَـدٌ
وَفِعْلُـهُ مَا تُريـدُ الكَـفُّ وَالقَـدَمُ
وَمُرْهَفٍ سرْتُ بينَ الجَحْفَلَيـنِ بـهِ
حتَّى ضرَبْتُ وَمَوْجُ المَـوْتِ يَلْتَطِـمُ
ألخَيْـلُ وَاللّيْـلُ وَالبَيْـداءُ تَعرِفُنـي
وَالسّيفُ وَالرّمحُ والقرْطاسُ وَالقَلَـمُ
صَحِبْتُ فِي الفَلَواتِ الوَحشَ منفَـرِداً
حتى تَعَجّبَ منـي القُـورُ وَالأكَـمُ
يَا مَـنْ يَعِـزّ عَلَيْنَـا أنْ نُفَارِقَهُـمْ
وَجدانُنا كُلَّ شـيءٍ بَعدَكـمْ عَـدَمُ
مَا كـانَ أخلَقَنَـا مِنكُـمْ بتَكرِمَـةٍ
لَـوْ أنّ أمْرَكُـمُ مِـن أمرِنَـا أمَـمُ
إنْ كـانَ سَرّكُـمُ ما قالَ حاسِدُنَـا
فَمَـا لجُـرْحٍ إذا أرْضـاكُـمُ ألَـمُ
وَبَيْنَنَـا لَـوْ رَعَيْتُـمْ ذاكَ مَعـرِفَـةٌ
إنّ المَعارِفَ فِي أهْـلِ النُّهَـى ذِمَـمُ
كم تَطْلُبُونَ لَنَـا عَيْبـاً فيُعجِزُكـمْ
وَيَكْـرَهُ الله مـا تَأتُـونَ وَالكَـرَمُ
ما أبعدَ العَيبَ والنّقصانَ منْ شَرَفِـي
أنَـا الثّرَيّـا وَذانِ الشّيـبُ وَالهَـرَمُ
لَيْتَ الغَمَامَ الذي عنـدي صَواعِقُـهُ
يُزيلُهُـنّ إلـى مَـنْ عِنْـدَهُ الدِّيَـمُ
أرَى النّـوَى يَقتَضينـي كلَّ مَرْحَلَـةٍ
لا تَسْتَقِـلّ بِهَـا الوَخّـادَةُ الرُّسُـمُ
لَئِـنْ تَرَكْـنَ ضُمَيـراً عَنْ مَيامِنِنـا
لَيَحْـدُثَـنّ لـمَنْ وَدّعْتُهُـمْ نَـدَمُ
إذا تَرَحّلْـتَ عن قَـوْمٍ وَقَد قَـدَرُوا
أنْ لا تُفـارِقَهُـمْ فالرّاحِلـونَ هُـمُ
شَرُّ البِـلادِ مَكـانٌ لا صَديـقَ بِـهِ
وَشَرُّ ما يَكسِبُ الإنسـانُ ما يَصِـمُ
وَشَـرُّ ما قَنّصَتْـهُ رَاحَتـي قَنَـصٌ
شُهْبُ البُـزاةِ سَـواءٌ فيهِ والرَّخَـمُ
بأيّ لَفْـظٍ تَقُـولُ الشّعْـرَ زِعْنِفَـةٌ
تَجُوزُ عِنـدَكَ لا عُـرْبٌ وَلا عَجَـمُ
هَـذا عِتـابُـكَ إلاّ أنّـهُ مِـقَـةٌ
قـد ضُمّـنَ الـدُّرَّ إلاّ أنّـهُ كَلِـمُ







