تواجه صناعة النفط في ليبيا ضغوطًا متزايدة مع استمرار تعطيل منشآت الإنتاج والنقل، في وقت تتحول فيه الموارد النفطية إلى محور للصراع والضغط السياسي، بما ينعكس على إيرادات الدولة وقدرتها على تمويل الإنفاق، فضلًا عن تأثيراته على سوق الوقود والاستثمار والاحتياطيات النقدية.
ويُنظر إلى النفط باعتباره موردًا سياديًا وملكية عامة، فيما يؤدي الإغلاق القسري للمنشآت النفطية إلى تعطيل مصدر رئيسي للإيرادات العامة، ويطرح في الوقت نفسه تحديات قانونية واقتصادية تتعلق بالمسؤولية عن وقف الإنتاج.
وتشير التقديرات إلى أن فقدان نحو 130 ألف برميل يوميًا، مع تداول خام برنت قرب مستوى 100 دولار للبرميل، يعني خسارة قيمة إنتاجية تقارب 13 مليون دولار يوميًا، ونحو 390 مليون دولار شهريًا، وما يقارب 4.7 مليار دولار سنويًا إذا استمر مستوى الفقد نفسه لمدة عام كامل، وذلك قبل احتساب حصص الشركاء والتكاليف والضرائب والإتاوات.
وتقترب الكمية المفقودة من عُشر إنتاج ليبيا المعتاد، ما يجعل تأثيرها يتجاوز حدود الخسارة اليومية المباشرة إلى ضغوط أوسع على المالية العامة والحساب الخارجي والقدرة على توفير النقد الأجنبي.
ولا يعني ذلك حسابيًا أن العجز المالي سيرتفع تلقائيًا بالقيمة نفسها شهريًا، إذ يتوقف الأثر الفعلي على مستويات الإنفاق والإيرادات الأخرى وحصص الشركاء وتكاليف الإنتاج والتطورات في أسعار النفط. لكن استمرار فقدان الإنتاج يضيف ضغطًا ملموسًا على موارد الدولة الدولارية وقدرتها على تمويل الإنفاق.
«القوة القاهرة» تحمي العقود ولا تحمي سمعة السوق
يمثل إعلان القوة القاهرة أداة تعاقدية يمكن للمؤسسة الوطنية للنفط والشركات العاملة اللجوء إليها عندما تجعل ظروف استثنائية تنفيذ الالتزامات التعاقدية متعذرًا، بما يحد من بعض المطالبات المالية المرتبطة بالتأخير أو عدم التنفيذ.
لكن تكرار اللجوء إلى هذا الإجراء يحمل تكلفة اقتصادية أخرى، إذ يمكن أن يدفع المشترين والمستثمرين إلى التعامل مع ليبيا باعتبارها موردًا مرتفع المخاطر، ما ينعكس على شروط التعاقد والتأمين والعائد المطلوب على الاستثمارات الجديدة.
وبذلك قد توفر القوة القاهرة حماية قانونية في مواجهة حادث محدد، لكنها لا تمنع تراجع الثقة إذا أصبحت اضطرابات الإنتاج والتصدير ظاهرة متكررة.
أزمة النفط تمتد إلى سوق الوقود
ولا تقتصر تداعيات تعطيل الإنتاج على الصادرات، إذ قد تمتد إلى السوق المحلية، خصوصًا مع المخاوف المتعلقة بتوقف مصفاة الزاوية وتعطل بعض المنشآت المرتبطة بالتكرير والتوزيع.
ويعني انخفاض إنتاج المصافي حاجة أكبر إلى استيراد المشتقات النفطية، وهو ما يخلق ضغطًا مزدوجًا على الاقتصاد؛ إذ تفقد الدولة عائدات دولارية من الخام الذي كان يمكن تصديره، ثم تحتاج إلى دولارات إضافية لشراء منتجات نفطية من الخارج.
كما يمكن أن يؤدي اضطراب عمليات الاستيراد والتوزيع إلى زيادة الضغوط على شركة البريقة وعمليات النقل والتخزين والمخزونات الاستراتيجية، في وقت تعتمد فيه ليبيا بدرجة كبيرة على استيراد احتياجاتها من الوقود المكرر.
إيرادات أقل وضغط أكبر على سعر الصرف
ويمر تأثير توقف الإنتاج على الاقتصاد عبر سلسلة مترابطة تبدأ بانخفاض الإيرادات النفطية، ثم تراجع التدفقات الدولارية، بالتزامن مع استمرار الإنفاق العام بالدينار.
ومع اتساع الفجوة بين الإنفاق والإيرادات، قد يتزايد الضغط على الاحتياطيات الأجنبية أو على السياسة النقدية، ما يرفع الطلب على النقد الأجنبي ويزيد مخاطر اتساع الفجوة بين أسعار الصرف وانعكاس ذلك على تكلفة الواردات والأسعار المحلية.
ويصبح التأثير الاقتصادي بالتالي أكبر من قيمة النفط المفقود محاسبيًا، لأن تراجع الإنتاج قد يتزامن مع زيادة فاتورة استيراد الوقود، وضغوط إضافية على العملة الأجنبية، وارتفاع تكاليف السلع والخدمات.
مخاطر فنية تتجاوز خسارة المبيعات
ولا يمثل إغلاق المنشآت النفطية خسارة في المبيعات فقط، بل قد يخلق مخاطر فنية على خطوط الإنتاج والنقل.
وأدى إغلاق أحد الصمامات المرتبطة بخط نقل خام الشرارة إلى ارتفاع الضغط داخل الخط، في ظل صعوبات واجهتها الفرق الفنية في الوصول إلى منطقتي الصمامين 6 و7.
ويعني استمرار الضغط أو التشغيل في ظروف غير طبيعية زيادة احتمالات تعرض الصمامات أو خطوط النقل أو مرافق الضخ لأعطال، ما يجعل إعادة الإنتاج بعد انتهاء الإغلاق عملية قد تتطلب فحوص سلامة وإجراءات فنية وإعادة تشغيل تدريجية.
ومن ثم، فإن إعادة فتح الصمام لا تعني بالضرورة عودة الإنتاج المفقود بالكامل في اليوم التالي، إذ قد تكون هناك أعمال صيانة وفحوص وتأخير فني قبل استعادة الطاقة الإنتاجية.
الاستثمار الأجنبي يدفع ثمن عدم الاستقرار
ويمثل الاستقرار التشغيلي أحد العوامل الرئيسية التي ينظر إليها المستثمرون في قطاع النفط، إلى جانب حجم الاحتياطيات والإمكانات الإنتاجية.
وتشغل شركة أكاكوس حقل الشرارة، وأي اضطراب متكرر في الإنتاج يفرض على الشركات الأجنبية تقييم مخاطر توقف عملياتها نتيجة قرارات جماعات مسلحة أو احتجاجات أو اضطرابات محلية.
وقد ينعكس ارتفاع المخاطر على قرارات الاستثمار من خلال تأجيل مشروعات جديدة، أو زيادة العائد المطلوب، أو المطالبة بضمانات تعاقدية وأمنية أقوى.
وبذلك لا تقتصر الخسارة على الإيرادات التي تضيع خلال فترة الإغلاق، بل قد تمتد إلى الاستثمارات المستقبلية والطاقة الإنتاجية التي كان يمكن تطويرها على المدى الطويل.
تأثير محدود عالميًا.. لكنه قابل للاتساع
وعلى المستوى العالمي، يظل فقدان 130 ألف برميل يوميًا محدودًا مقارنة بحجم سوق النفط العالمي، ولا يكفي بمفرده لتغيير توازن السوق الدولية بصورة جذرية.
لكن أهمية التطور ترتبط بتوقيته واحتمال اتساع نطاقه، خصوصًا مع استمرار اضطرابات الإمدادات والممرات البحرية في المنطقة، وبقاء أسعار النفط قرب مستويات مرتفعة نسبيًا.
ويصبح تأثير الاضطراب أكبر إذا تحول من توقف محدود إلى توقف كامل لحقل الشرارة أو امتد إلى منشآت إنتاج ونقل أخرى، إذ لا تسعّر الأسواق الكمية المفقودة فقط، وإنما تضع في الاعتبار أيضًا احتمال فقدان إمدادات إضافية.
أربعة مسارات لتقليل الخسائر
ويطرح التعامل المستدام مع أزمة الإغلاقات النفطية عددًا من المسارات المتوازية، في مقدمتها حماية المنشآت وخطوط الإنتاج والتصدير باعتبارها بنية أساسية للدولة، مع تحديد المسؤولية الفردية عن تعطيلها وفق القانون.
كما يتطلب الأمر وجود قوة مهنية موحدة لحماية المنشآت النفطية، تكون مهمتها الأساسية تأمين الإنتاج والبنية التحتية بعيدًا عن المطالبات السياسية أو الفئوية.
ويأتي المسار الثاني عبر إنشاء آلية قانونية واضحة للتعامل مع مطالب العاملين والمناطق والمجتمعات المحلية، بما يتيح بحث المظالم والمطالب بعيدًا عن تعطيل الإنتاج أو خطوط النقل.
أما المسار الثالث فيتمثل في نشر البيانات المتعلقة بتكلفة الإغلاقات بصورة دورية، بما يشمل كميات الإنتاج المفقودة وقيمتها المالية وتكلفة استيراد الوقود والآثار المحتملة على الاحتياطيات.
ويظل المسار الأوسع مرتبطًا بترسيخ قاعدة مفادها أن معالجة المطالب تكون عبر القانون والتفاوض والمؤسسات، وليس عبر تعطيل مورد النفط.
فالمشكلة الاقتصادية الأكبر لا تكمن فقط في خسارة 130 ألف برميل يوميًا، وإنما في تحول تعطيل الإنتاج إلى وسيلة معتادة للضغط، بما قد يجعل الإغلاق نفسه أداة اقتصادية موازية للمؤسسات الرسمية، ويضاعف تكلفة عدم الاستقرار على الدولة والمواطن والاستثمار.


