دخلت الأزمة اليمنية مرحلة جديدة من التصعيد خلال سبتمبر الجاري، مع اتساع رقعة المواجهات وارتفاع أعداد النازحين، ما يهدد بإعادة البلاد إلى دائرة الحرب المفتوحة بعد سنوات من التراجع النسبي في حدة القتال.
وتشير الأرقام الواردة في التقارير الأممية إلى نزوح عشرات الآلاف من اليمنيين منذ بداية الشهر، فيما تحمل النساء والأطفال جانباً كبيراً من الكلفة الإنسانية الناجمة عن المواجهات. كما دفعت الأوضاع الأمنية بعض اليمنيين إلى عبور البحر باتجاه جيبوتي بحثاً عن الأمان.
الساحل الغربي يعود إلى الواجهة
يكتسب التصعيد أهمية خاصة مع تركز جانب من المواجهات على الساحل الغربي المطل على البحر الأحمر، بالقرب من باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية للتجارة والطاقة عالمياً.
ويعني اتساع القتال في هذه المنطقة أن تداعيات الأزمة قد تتجاوز الداخل اليمني، مع ارتفاع المخاوف بشأن أمن الملاحة والتجارة الدولية وتكاليف التأمين والشحن البحري.
وفي الوقت نفسه، تتواصل التحركات العسكرية بين الحوثيين والقوات المناهضة لهم، وسط مخاوف من انهيار حالة الهدوء النسبي التي سادت منذ هدنة عام 2022.
مشهد سياسي شديد التعقيد
ولا يمكن اختزال الأزمة اليمنية في مواجهة بين طرفين فقط، إذ تضم الساحة قوى سياسية وعسكرية متعددة، لكل منها مصالحها وحساباتها المحلية والإقليمية.
فالارتباط الوثيق بين الحوثيين وإيران لا يلغي وجود حسابات يمنية خاصة للجماعة، كما أن الحكومة المعترف بها دولياً ليست الممثل الوحيد لجميع القوى المناهضة للحوثيين.
ويزيد هذا التشابك صعوبة الوصول إلى تسوية دائمة، خصوصاً أن السنوات الماضية أظهرت محدودية قدرة الحل العسكري على إنهاء الصراع.
المدنيون يدفعون الثمن
وتبقى التداعيات الإنسانية الجانب الأكثر خطورة في التصعيد، مع اضطرار آلاف الأسر إلى ترك منازلها وفقدان مصادر رزقها، بالتزامن مع تراجع القدرة على إيصال المساعدات بسبب انعدام الأمن وتضرر الطرق والقيود على الحركة.
ولا تتوقف الأزمة عند النازحين داخل البلاد، إذ بدأ يمنيون في عبور البحر باتجاه جيبوتي، ما يفتح الباب أمام أزمة نزوح تتجاوز الحدود اليمنية إذا استمرت المواجهات.
كما تثير الخسائر في صفوف المدنيين مجدداً قضية حماية السكان ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، في ظل سجل طويل من الاتهامات الموجهة إلى أطراف متعددة بشأن القصف العشوائي والاعتقالات والتعذيب وتجنيد الأطفال والهجمات على المنشآت المدنية.
مخاطر اتساع المواجهة
وتواجه السعودية بدورها معادلة أمنية معقدة مع استمرار التهديدات والهجمات الحوثية، إذ تسعى إلى حماية حدودها ومصالحها وممرات الطاقة، بينما تحمل العودة إلى حرب مفتوحة تكاليف سياسية واقتصادية وأمنية كبيرة.
في المقابل، يسعى الحوثيون إلى الحفاظ على مكاسبهم وتعزيز موقعهم في أي مفاوضات مقبلة، بينما تحاول القوى التابعة للحكومة اليمنية استعادة مواقعها ونفوذها.
وقد يدفع ذلك نحو استمرار الضغط العسكري خلال الفترة المقبلة بالتوازي مع جهود دبلوماسية تستهدف منع تحول المواجهات إلى صراع إقليمي أوسع.
لكن التجربة اليمنية تشير إلى أن وقف إطلاق النار وحده لن يكون كافياً. فغياب تسوية سياسية واقتصادية شاملة يترك أسباب الصراع قائمة ويجعل أي تهدئة معرضة للانهيار مع تغير موازين القوى.
وفي النهاية، يبقى المدنيون الحلقة الأكثر تضرراً؛ فكل جولة جديدة من القتال تعني مزيداً من النازحين وتعطل المدارس والمستشفيات والطرق وتفاقم أزمة اقتصاد أنهكته سنوات الحرب.
لذلك لم يعد السؤال متعلقاً فقط بمن يسيطر على الساحل الغربي، وإنما بقدرة الأطراف اليمنية والقوى الإقليمية والدولية على منع البلاد من الانزلاق مجدداً إلى حرب طويلة، وإعادة فتح مسار سياسي يضع حماية اليمنيين واستقرار البلاد في مقدمة الأولويات.







