لا تكتفي الإدارة الفدرالية الأمريكية في واشنطن خلال النصف الأول من عام 2026 بالوقوف في موقف الدفاع أو التعامل التقليدي مع الأزمات الاقتصادية والسياسية بعد وقوعها ميدانياً، بل تخوض مراجعة استراتيجية شاملة عبر وضع سيناريوهات تفصيلية معقدة لكوارث وجودية قد تبدو في ظاهرها أقرب إلى سيناريوهات سينما هوليوود،
لكنها تقع في صلب بيئة دولية تزداد فيها حدة التقلبات المناخية العنيفة والتهديدات الأمنية الهجينة العابرة للحدود السياسية.
ومن فرضية وقوع ضربة نووية مباغتة في قلب مدنية كبرى، إلى سيناريو الانهيار التام والكامل لشبكات الطاقة والكهرباء القومية بفعل هجوم سيبراني منسق واسع النطاق، عكفت المؤسسات السيادية الأمريكية منذ سنوات على صياغة وتحديث قائمة بالغة السرية تضم أخطر 15 سيناريو كارثي يهدد حياة ملايين البشر ويسحق مفاصل الاقتصاد الأمريكي في آن واحد.
هذا التحرك المؤسسي الفائق، المعروف باسم “التخطيط القومي للسيناريوهات”، جرى تصميمه بعناية فائقة لتوجيه أجهزة الطوارئ الفدرالية، ووكالات الاستخبارات، ومنظومات الصحة العامة حول كيفية إدارة جبهة داخلية مشلولة بالكامل نتيجة ضربات بيولوجية أو كيميائية أو إلكترونية مدمرة.
جحيم الإشعاع المدني
يتناول السيناريو الأكثر رعباً وقساوة قيام قوى معادية بتفجير جهاز نووي تكتيكي مصغر داخل منطقة حضرية مكتظة بالسكان، مما سيؤدي فوراً إلى تدمير مادي مطلق ومسح كامل للمباني ضمن دائرة قطرها 1.6 كيلومتر.
وتتوقع الخطط الفدرالية سقوط مئات آلاف القتلى والمصابين خلال الدقائق الأولى جراء موجة الانفجار الحرارية والحرائق المستعرة والتسمم الإشعاعي الحاد، مما يخرج المستشفيات القريبة عن الخدمة تماماً.
ولا يتوقف القلق الأمني في واشنطن عند هذا الحد، بل يمتد ليشمل خطر استخدام “القنبلة القذرة” التي تعتمد على متفجرات تقليدية لنشر نفايات ومواد مشعة عبر مساحات شاسعة من المدن الكبرى.
ويتسبب هذا النوع من الهجمات في خلق أزمات بيئية وصحية معقدة طويلة الأمد تستلزم عمليات تطهير وإجلاء واسعة النطاق للمواطنين، فضلاً عن التبعات الاقتصادية الكارثية المتمثلة في إغلاق المراكز المالية الحيوية.
وفي هذا السياق الجيوسياسي الملتهب، حظيت وثائق الاستراتيجية النووية السرية التي أقرها الرئيس السابق جو بايدن في أغسطس من عام 2024 باهتمام الوكالات العالمية، نظراً لتركيزها على مواجهة التوسع السريع للترسانة الصينية.
السلاح البيولوجي الفتاك
وضعت واشنطن ضمن حساباتها الدفاعية خططاً استباقية لمواجهة هجمات بيولوجية متعمدة تعتمد على نشر ميكروبات وجراثيم قاتلة مثل بكتيريا “الجمرة الخبيثة” أو “الطاعون الرئوي” في شبكات المترو أو الساحات العامة المزدحمة.
وتتوقع السيناريوهات الرسمية أن تؤدي هذه المخططات إلى تفشي حالة من الذعر الجماعي غير القابل للسيطرة، مما يتسبب في انهيار جزئي أو كلي لقطاعات الرعاية الطبية نتيجة تدفق ملايين الحالات المشتبه بها.
وتقتضي خطط الطوارئ الفدرالية فرض حجر صحي صارم وعزل جراحي للمناطق الموبوءة، بالتوازي مع التوزيع اللوجستي السريع للمضادات الحيوية واللقاحات المخزنة استراتيجياً لقطع الطريق أمام انتشار الوباء المصنع.
كما تشمل القائمة سيناريو اندلاع جائحة إنفلونزا عالمية متحورة شديدة الفتك والعدوى، تحاكي في مسارها ما شهده الاقتصاد الدولي خلال أزمة كوفيد-19، ولكن بمعدلات وفيات وضغوط مضاعفة على العناية المركزة.
غازات الموت السام
تتحسب السلطات الأمريكية لسيناريوهات الحرب الكيميائية التي قد توظف غازات الأعصاب الفتاكة أو غاز الخردل التقليدي، وهي مركبات قادرة على إحداث حروق كيميائية عميقة وفشل تنفسي خانق يؤدي للموت خلال دقائق معدودة.
وتبدي الأجهزة الأمنية مخاوف حقيقية من احتمال قيام خلايا إرهابية أو دول معادية باستهداف مجمعات الكيماويات الكبرى أو خزانات غاز الكلور الصناعي القريبة من الحواضر الكبرى لتوليد سحب سامة عابرة للولايات.
وتكمن خطورة هذه الغازات في ثقلها النوعي الذي يبقيها قريبة من سطح الأرض، مما يتيح للرياح دفعها بسرعة نحو المناطق السكنية وتوسيع رقعة الإصابات لتشمل عشرات الآلاف من المدنيين العزل.
وتعتمد آليات الاستجابة الحكومية في هذه الأزمات على سرعة إجلاء السكان، واستخدام تكنولوجيا التطهير الكيميائي الواسع، وتقديم الترياقات والمضادات الحيوية للسموم، فضلاً عن احتواء التسربات لمنع وصول التلوث المائي لشبكات الشرب.
زلزال مدمر
وبعيداً عن فرضيات العمليات الإرهابية المصنعة، تتوقع الوثائق الرسمية إمكانية حدوث زلزال مدمر يفوق بمقياسه حاجز 7.5 درجة يضرب فوالق تكتيكية رئيسية تقع أسفل مناطق حضرية واقتصادية بالغة الأهمية.
وينذر هذا السيناريو الطبيعي بسقوط أعداد هائلة من الضحايا وتشريد الملايين، إلى جانب الانقطاع الشامل لشبكات الطاقة والمياه والاتصالات اللاسلكية، مما يعزل المدن المصابة عن العالم لأسابيع متواصلة.
وعلى الجانب الآخر من التهديد الطبيعي، تستعد الولايات المتحدة لسيناريو اجتياح إعصار من الفئة الخامسة، مصحوباً برياح عاتية تتجاوز سرعتها 249 كيلومتراً في الساعة وفيضانات بحرية عارمة تشل البنية التحتية الساحلية.
وتتمحور خطط مواجهة الكوارث الطبيعية حول تنفيذ عمليات إنقاذ وإنزال جوي واسعة، وبناء معسكرات إيواء مؤقتة عملاقة، وإعادة تشغيل المرافق الحيوية في زمن قياسي لتفادي وقوع اضطرابات أمنية وحالات نهب وفوضى اقتصادية.
مقصلة الأمن الغذائي
لا يستبعد المسئولون في واشنطن فرضية تعرض الأمن الغذائي القومي لضربات بيولوجية موجهة عبر تلويث متعمد لمنظومات الإنتاج وسلاسل التوريد لمنتجات غذائية واسعة الانتشار بين المستهلكين.
ويتسبب هذا الاختراق في اندلاع أزمة صحية وطنية تجبر الهيئات الرقابية الفدرالية على اتخاذ قرارات عاجلة بسحب وتدمير كميات هائلة من المنتجات من الأسواق، مما يهز الثقة في الاستقرار التمويني للدولة.
كما تلحظ السيناريوهات خطر نشر مرض “الحمى القلاعية” بين قطعان الماشية والثروة الحيوانية، وهو مرض لا يهدد الصحة البشرية بشكل مباشر، لكنه يمتلك القدرة على تدمير قطاع الزراعة ومحوه اقتصادياً.
ويؤدي تفشي هذا المرض إلى إعدام ملايين الرؤوس من الماشية، مما يفرغ الأسواق من اللحوم ومشتقات الألبان ويفجر تضخماً سعرياً خانقاً يضرب سلاسل الإمداد الغذائي ويدخل البلاد في نفق التبعية التموينية للخارج.
شلل الفضاء السيبراني
يبدو أن السيناريو الأكثر تعقيداً وخطورة على مستقبل الهيمنة الأمريكية في عام 2026 يتمثل في تعرض البلاد لهجوم إلكتروني شامل يستهدف البنية الرقمية للبنوك وشبكات الكهرباء والاتصالات المشتركة.
وترى الدوائر الحكومية أن هذا النمط من الحروب الهجينة قادرة على إلحاق خسائر مالية فادحة تفوق كلفة الحروب التقليدية، وإدخال الشارع في حالة فوضى عارمة دون الحاجة لإطلاق رصاصة واحدة من الطرف المعادي.
ويأتي هذا القلق البالغ نتيجة الارتباط المصيري والاعتماد المتزايد للاقتصاد والمؤسسات الأمريكية على الأنظمة السحابية والذكاء الاصطناعي، مما يجعل أي اختراق لمنظومات التحكم بمثابة رصاصة الرحمة على الاستقرار الداخلي.
ولمواجهة هذا الخطر الرقمي الداهم، ترتكز خطط الدفاع على بناء قنوات تنسيق وتحالفات بالغة التعقيد تشمل الأجهزة الحكومية والقطاع الخاص التكنولوجي والحلفاء الدوليين لرصد الهجمات واحتوائها قبل خروجها عن السيطرة.
عقيدة الردع الشامل
ورغم أن قسماً كبيراً من هذه السيناريوهات الـ15 يبدو في قراءته الأولى متطرفاً أو ضئيل الاحتمال، فإن صياغتها وإعادة مراجعتها تعكس حجم القلق الوجودي العاصف بالمؤسسات الأمريكية في عالم بات شديد الهشاشة.
وتثبت هذه الخطط الدفاعية كيف تبدلت عقيدة الأمن القومي الأمريكي ومفهومه التقليدي، حيث لم يعد مقتصراً على حشد الجيوش وتكديس الأسلحة الكلاسيكية، بل بات متمحوراً حول تحصين الأمن الغذائي والصحي والفضاء السيبراني.
وجرى تجميع واستخلاص هذه البيانات والمعلومات الحساسة من وثائق التخطيط القومي للسيناريوهات المنشورة عبر شبكة “بابليك إنتيليجنس” ومؤشرات وزارة الأمن الداخلي الأمريكية لضمان أعلى مستويات الجاهزية والاستعداد الاستراتيجي.
حتمية المواجهة وعالم متعدد الأقطاب
هل تدرك الولايات المتحدة الأمريكية أن عصر حصانتها الجغرافية وراء المحيطات قد ولى إلى غير رجعة في ظل صعود عالم متعدد الأقطاب.
إن تحول مفهوم الأمن القومي ليشمل الأمن الغذائي والسيادة السيبرانية وحماية المنشآت الحيوية من غاز الكلور والذكاء الاصطناعي المعادي، يثبت أن نقاط الضعف الأمريكية باتت داخلية أكثر منها خارجية.


