بعد موجة الجدل التي أثارها منشور الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأخير بشأن إيران، والذي اتسم بلغة بذيئة وغير منضبطة، تصاعدت ردود الفعل داخل الولايات المتحدة، حيث انتقده بشدة عدد من السياسيين والإعلاميين وأبرزهم زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ تشاك شومر، الذي حذر من خطورة هذا النمط من الخطاب في لحظة دولية شديدة الحساسية، وواصفًا سلوكه بأنه يثير تساؤلات جدية حول اتزانه العقلي في إدارة الأزمة.
في هذا السياق اللافت، نشرت مجلة نيوزويك الأمريكية الرصينة أمس تقريرًا طرحت فيه تصاعد الحديث عن إمكانية عزل ترامب بتفعيل التعديل الخامس والعشرين من الدستور الأمريكي، والذي يتيح لنائب الرئيس وأغلبية الحكومة إعلان عجز الرئيس عن أداء مهامه.
التقرير لم يأتِ من فراغ… بل في سياق تصريحات منفلتة للرئيس ترامب اتسمت بحدة واضحة، وصلت إلى حد التهديد بضرب منشآت مدنية، ومحو إيران من على الخريطة، وإعادتها للعصر الحجري، بل واستخدام لغة سوقية فجة على منصته تروث سوشيال. في تصاعد غير مسبوق للتوتر مع إيران،
كما أشار التقرير إلى ارتفاع ملحوظ في «رهانات» الأسواق التنبؤية، على منصة «كلاشي»، حول إمكانية تفعيل هذا السيناريو، في انعكاس مباشر لحالة القلق داخل الأوساط السياسية والاقتصادية.
لكن بعيدًا عن الضجيج والغضب الإعلامي من تصريحات ترامب، وحتى لا يذهب البعض بتفكيره بعيدا، فإن تطبيق التعديل الخامس والعشرين في حالته سيواجه عقبات شبه مستحيلة.
فلم يسبق تطبيق هذا التعديل لعزل أي رئيس أمريكي في السابق، وقد صُمم عام 1967 لحالات العجز الطبي أو الذهني الواضح، لا لمواجهة قرارات سياسية أو تصريحات مستفزة مهما بلغت حدتها.
وتفعيل هذا الإجراء يتطلب قرارًا من نائب الرئيس وأغلبية الوزراء… وهم في النهاية جزء من الدائرة السياسية للرئيس نفسه.
وحتى في حال تفعيله، يمكن للرئيس الطعن عليه، ليُحسم الأمر داخل الكونغرس بأغلبية الثلثين… وهو شرط بالغ الصعوبة في ظل الانقسام السياسي الحاد.
أي أننا أمام آلية دستورية «نظرية» أكثر منها أداة قابلة للتطبيق في الواقع السياسي الحالي.
ولكن، على الرغم من صعوبة تطبيق هذا التعديل عمليًا، فإن مجرد طرحه وتداوله بهذا الشكل الواسع داخل الإعلام الأمريكي، ودوائر السياسة، وحتى أسواق التوقعات…
يعكس حقيقة مقلقة تتعلق برأس السلطة في النظام الأمريكي، الذي يملك صلاحيات تنفيذية ضخمة لا تؤثر فقط على الداخل الأمريكي، بل على العالم كله كما نرى الآن،
وأن سلوك وتصريحات ترامب لم تعد تُقرأ باعتبارها مجرد مواقف سياسية تقليدية،
بل كعامل عدم استقرار في العالم تثير تساؤلات جدية حول القدرة على اتخاذ قرارات متزنة في لحظة دولية شديدة الحساسية.
قد لا يُفعَّل التعديل الخامس والعشرون…
لكن مجرد حضوره في النقاش العام، وطرح أهلية الرئيس في الإعلام، هو في حد ذاته «إدانة سياسية» لطبيعة القيادة الحالية، ومؤشر على حجم القلق الذي بات يتجاوز الخصوم… ليصل إلى داخل النظام نفسه.







