خلال خطته الأخيرة التي طرحها الأسبوع الماضي، دق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أخر إسفين له بين المقاومة الفلسطينية في غزة وبين كل المتعاطفين معها من رموز المجتمع الدولي، بعدما وضع ترامب السم في العسل وفرض مسار تفاوضي جديد، يقضي بالقضاء على المقاومة، واستبدال الاحتلال الإسرائيلي باحتلال دولي، يقوده رئيس الوزراء البريطاني الأسبق بالمعروف بعدائه للمسلمين توني بلير.
مقترح ترامب يمثل بحسب أغلب التعليقات التي جاءت على لسان محللين سياسيين عرب ودوليين، يمثل فخا جديدا للعرب، يمنح به إسرائيل ما فشلت فى تحقيقه بالقوة على مدار عامين، ومحاولة للهيمنة على القطاع، وخلخلته من كتلته السكانية، وتسليم زمامه إلى «متعهد» ينفذ مشروعات مطورى العقارات الأمريكيين.
هذا المقترح الذي تضمن 21 بندا، وعد فيه ترامب بعض قادة المنطقة بـ«عدم السماح بضم الضفة الغربية، ووقف إطلاق النار وانسحاب تدريجى للجيش الإسرائيلى من غزة»، شريطة ألا يكون هناك دور مستقبلى لحماس فى حكم القطاع الذى ستدير شئونه «لجنة دولية» بإشراف توني بلير، وبمشاركة قوات دولية تراقب وتحمى الحدود،
وهو ما يعنى السيطرة على غزة أمنيا وإداريا، أى إخضاعها بالكامل، ونزع سلاحها دون أن يتكبد جيش الاحتلال أى خسائر، ولا يواجه أي عقاب على جرائم الحرب التي اقترفها، وندد بها العالم أجمع.
بل وبمقترح ترامب يتحقق لإسرائيل استقرارا طويل الأمد، وتحفظ للولايات المتحدة الأمريكية مصالحها مع دول المنطقة الغنية، وتعيد فتح باب اتفاقيات التطبيع الذى أغلق بعد «طوفان الأقصى»، ويعلن نتنياهو انتصاره المطلق باستسلام الفلسطينيين جميعا، وليس حماس وحدها، ويكرس هيمنة كاملة لدولته طمعا فى تحقيق حلمه التوسعى والحفاظ على مستقبله السياسی.
الأمر الذي يطرح سؤالا هاما هو هل يستجيب العرب ويواصلون الركض خلف «أوهام» الصداقة والثقة في الولايات المتحدة الأمريكية، أم يبدأ العرب في البحث عن أبواب أخرى يطرقونها، يتحقق فيها مصالحهم؟.

كل التجارب تجرعوا فيها السم
في البداية يقول الكاتب الصحفي والمحلل السياسي محمد الليثي، إن كل التجارب التي مر بها العرب والفلسطينيين في علاقتهم بالولايات المتحدة الأمريكية، تجرعوا فيها السم مرات ومرات، بداية من حرب 1967، ومرورا باتفاقية كامب ديفيد، ثم اتفاق أوسلو و وادي عربة، ثم نقل السفارة الأمريكية في إسرائيل للقدس، ونهاية بسماح واشنطن بشن هجمات إسرائيل على الدوحة، رغم إنفاق تريليونات الدولارات من دول الخليج لدعم الاقتصاد الأمريكي وشراء رضا ترامب.
وأكد الليثي في تصريحاته لـ “جريدة الأمة الإلكترونية”، أنه إذا أراد العرب النجاة، فعليهم أن يبحثوا عن أبواب أخرى غير الباب الأمريكى، وأن يتعملوا من تجاربهم السابقة أن الحليف الأمريكي هو خنجر مسموم في خاصرة العرب والمسلمين، وأن ولاءه ودعمه المعلن والخفي موجه لإسرائيل الكبرى.
وطالب الليثي أن يبدأ العرب في الانضمام لبناء نظام إقليمى يضع مصالح شعوبهم فى صدارة الحسابات، نظام قادر على مواجهة التحديات والمخاطر التى تستهدف بقائهم وشرعيتهم لا حدودهم فحسب.
وعن مدى تعاطي المقاومة مع مخطط ترامب، قال الليثي إن المقاومة في موقف صعب بعدما تسابق العرب على الإذعان لفرمانات ترامب، التي تعني خطة استسلام مهينة ومذلة لكل قطاعات الشعب الفلسطيني وليس فقط المقاومة، موضحا أن العرب بموافقتهم على مخطط ترامب قيدوا أيادي المقاومة ووضعوا بهم أمام القطار.
وأوضح أن موقف المقاومة صعب للغاية، بحيث لو رفضت المقاومة شروط ترامب للاستسلام ستتحمل ذنب استمرار إبادة أهل غزة وتدمير القطاع برمته، وإن وافقت فسيكون هذا بمثابة اعتراف بتخليها عن مقاومة المحتل والإذعان لاحتلال دولي يقوده ترامب ونائبه بلير.

حصار دبلوماسي
من جانبها قالت الكاتبة الصحفية مي عزام، إن خيارات حماس معدومة، فالحصار الدبلوماسي والسياسي على إسرائيل سينقلب عليها إذا رفضت خطة ترامب التي تتبناها الدول العربية والإسلامية.
وأوضحت أنه ليس من حق أحد النصيحة ولكن التمني أن يتحلوا بالحكمة وأن يدرسوا قرارهم جيدا وتوابعه سواء بالرفض أو القبول، موضحا أن الرفض سيعني أن غزة ستخرج للأبد من الخارطة الفلسطينية وبإجماع دولي،
والقبول يعني دخول حرب سياسية ومناورات دبلوماسية ربما تطول لكنها ستوقف الهجوم الإسرائيلي وتعطل مخطط تدمير غزة وتهجير سكانها، وتفتح الباب لإعادة تعميرها، وترسم خطا أحمر مانعا لضم الضفة الغربية، وتبقي القدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية التي اعترفت بها معظم دول العالم وعلى رأسها فرنسا وبريطانيا وكندا.
فيما قال الكاتب الصحفي فراج إسماعيل، “إن سكان غزة أعلم بحالهم ولا أحد يمكنه أن يزايد على أوجاعهم، ولا أن يقاتل على الكيبورد من غرف مكيفة وبلاد آمنة ويزعم أنه ينتصر لهم، ويدافع عنهم ويطعمهم ويسقيهم ويداويهم، وحدهم الذين يعانون منذ عامين ووحدهم أصحاب القرار وفصل الخطاب”.
محرر الشؤون الفلسطينية، سلمان أبو دقة، وصف المشهد بأن حماس ليست أمامها الكثير من الخيارات.وقال إن الإدارة الأمريكية، بتهديد ترامب، قادرة على فرض الاتفاق على الحركة، مستذكرا تجربة نتنياهو مع اتفاق أوسلو عام 1997، حيث أجبرت الإدارة الأمريكية نتنياهو على تنفيذ انسحاب من الخليل رغم رفضه.
ويشير أبو دقة إلى أن ترامب يتصرف بطريقة مشابهة، حيث يضع خارطة طريق واضحة، ويجعل من الصعب على نتنياهو رفض خطة وضعتها الإدارة الأمريكية نفسها.
أبو دقة أوضح أن قطاع غزة بات مدمرا، والورقة الوحيدة التي تمتلكها حماس هي الرهائن، وحتى هؤلاء غير معروف وضعهم الصحي. وهذا يضع الحركة تحت ضغط هائل للقبول بأي اتفاقيات مستقبلية، حتى ولو كانت مؤقتة، على الأقل لإيقاف الحرب وإعادة تواجدها بطريقة ما في المشهد الفلسطيني.
وأضاف أبو دقة أن التحدي الحقيقي ليس فقط إخراج حماس من غزة، بل إعادة بناء جسم فلسطيني موازي قادر على ترميم ما دمرته الحرب.
وأكد أن حماس، الآن تواجه ضغوطا دولية وإقليمية تهدف إلى إعادة تشكيل السلطة الفلسطينية وإعادة دمج غزة في النسيج السياسي الفلسطيني.

توافق المصالح الإسرائيلية
الخبير في الشؤون السياسية والاستراتيجية منصور معدي رأى أن غالبية بنود الخطة تتوافق مع المصالح الإسرائيلية، وتحقق أهداف الحرب التي وضعها نتنياهو، أبرزها نزع سلاح حماس وإخراجها من القطاع، وكذلك تحرير المخطوفين.
معدي أكد أن هذا المشهد يعكس استراتيجية نتنياهو في الوصول إلى الانتصار، عبر استدامة الحرب والتحكم في الصفقات الجزئية، مما يمنحه القدرة على تشكيل ما بعد الحرب وفق رؤيته.
وأوضح معدي أن ترامب سعى لكي يكون هناك إجماع عربي وغربي على تصنيف حماس منظمة إرهابية، وهو ما يدعم تنفيذ الخطة الأمريكية الإسرائيلية.
وأشار إلى أن حماس خسرت رهانات كثيرة، والضغط التركي والقطري والأمريكي سيجبرها على القبول في النهاية، مضيفًا أن نتنياهو بدأ يرى نهاية الحرب وتحقيق أهدافه الاستراتيجية.







