شهدت المواجهة بين السعودية وجماعة الحوثيين تصعيدًا جديدًا مع إعلان الجماعة استهداف مواقع في الرياض ومنشأة تابعة لشركة أرامكو في ينبع، بالتزامن مع تحذيرات جوية للسكان وظهور دخان كثيف بالقرب من مطار الملك خالد الدولي. ويأتي ذلك وسط اتساع القتال في اليمن، وتزايد المخاوف من انتقال تداعياته إلى أمن الطاقة والملاحة والتجارة الدولية.
هجمات على الرياض وينبع وتحذيرات للسكان
أعلنت جماعة الحوثيين تنفيذ هجمات بصواريخ وطائرات مسيرة قالت إنها استهدفت مواقع «حساسة» في العاصمة السعودية الرياض، إضافة إلى منشأة تابعة لأرامكو في مدينة ينبع على ساحل البحر الأحمر.
وجاء الإعلان بعد ساعات من صدور تحذيرات للمدنيين في الرياض والخرج من خطر جوي محتمل، قبل أن تعلن السلطات السعودية انتهاء حالة التحذير. وفي الوقت نفسه، أفادت تقارير بسماع أصوات انفجارات في العاصمة وظهور ألسنة لهب وسحابة كبيرة من الدخان الأسود بالقرب من مطار الملك خالد الدولي.
وأظهرت صور ومقاطع مصورة تحققت منها وسائل إعلام دولية دخانًا كثيفًا يتصاعد في المنطقة المحيطة بالمطار، فيما بدت النيران في بعض المشاهد خلف منشآت تشبه خزانات وقود.
وبحسب رويترز، لم تقدم الحكومة السعودية تأكيدًا فوريًا بشأن تفاصيل الهجمات التي أعلنت جماعة الحوثيين تنفيذها، كما لم توضح في البداية مصدر الدخان الذي شوهد قرب المطار. وأشارت الوكالة إلى أن التحذيرات الأخيرة كانت الأولى من نوعها في الرياض منذ بدء موجة التصعيد مع الحوثيين في يوليو.
وقالت جماعة الحوثيين إن الهجمات جاءت ردًا على ضربات استهدفت العاصمة اليمنية صنعاء، متهمة السعودية بتكثيف عملياتها العسكرية ضد الجماعة خلال الأيام الماضية.
ويأتي ذلك في وقت توسعت فيه المواجهات على الساحل الغربي لليمن، بعدما تمكن الحوثيون من السيطرة على مدينة المخا ومناطق ساحلية وجزر استراتيجية بالقرب من باب المندب، وهو تطور أعاد رسم المشهد العسكري في المنطقة.
الساحل الغربي يغير معادلة البحر الأحمر
لا تقتصر أهمية التصعيد على الحدود السعودية اليمنية، إذ أصبح الساحل الغربي لليمن محورًا رئيسيًا في الصراع بسبب قربه من مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية التي تربط البحر الأحمر بخليج عدن وقناة السويس.
ويرى فاريـع المسلمـي، الباحث في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في «تشاتام هاوس»، أن سيطرة الحوثيين على مدينة المخا وتقدمهم على الساحل تمثل تحولًا بالغ الأهمية في الحرب اليمنية، لأنها تمنح الجماعة قدرة أكبر على التأثير في حركة الملاحة عبر باب المندب.
ويشير المسلمـي إلى أن التطورات تكتسب أهمية إضافية بسبب تزامنها مع الاضطرابات في مضيق هرمز، معتبرًا أن قدرة إيران وحلفائها على الضغط في نقطتين بحريتين استراتيجيتين ترفع المخاطر بالنسبة إلى التجارة والطاقة عالميًا.
وكانت رويترز قد أفادت في وقت سابق بأن تقدم الحوثيين على ساحل البحر الأحمر ووصولهم إلى جزر عند مدخل باب المندب يمثل تحولًا استراتيجيًا، في ظل أهمية المضيق لحركة شحن النفط والسلع بين آسيا وأوروبا.
وتزداد حساسية ينبع في هذه المعادلة، باعتبارها مركزًا مهمًا لتصدير النفط السعودي عبر البحر الأحمر. وكانت اضطرابات سابقة قد دفعت السعودية إلى الاعتماد بصورة أكبر على مسارات التصدير عبر البحر الأحمر لتجاوز بعض المخاطر المرتبطة بمضيق هرمز.
خبراء يحذرون من اتساع نطاق المواجهة
ويعتقد محللون أن انتقال الهجمات إلى العاصمة السعودية والمنشآت النفطية يعكس تغيرًا في طبيعة المواجهة، بعدما أصبحت العمليات الحوثية تستهدف، أو تعلن استهداف، مواقع بعيدة عن الجبهات التقليدية داخل اليمن.
وفي تحليل لـ«تشاتام هاوس»، أشار المسلمـي إلى أن الحوثيين استفادوا خلال فترة الهدوء النسبي التي أعقبت هدنة عام 2022 من إعادة تنظيم قواتهم وتطوير قدراتهم الصاروخية والطائرات المسيرة، بينما ظلت القوى المناهضة لهم تعاني من الانقسام وتعدد مراكز القرار.
كما نقلت رويترز عن نيل كويليام، الباحث في «تشاتام هاوس»، وصفه التقدم الحوثي الأخير بأنه كشف عن إخفاق في رصد الاستعدادات العسكرية للجماعة، بينما رأى المحلل السياسي اليمني فاريـع المسلمـي أن السعودية فوجئت بسرعة التحول الميداني في اليمن.
ويشير هذا التحليل إلى أن المشكلة لا ترتبط فقط بقدرات الحوثيين العسكرية، وإنما أيضًا بطبيعة المعسكر المناهض لهم، الذي يضم قوى وفصائل متعددة تختلف في أولوياتها السياسية والعسكرية.
ويحذر محللون من أن استمرار هذه المعادلة قد يجعل أي محاولة لوقف التصعيد أكثر تعقيدًا، خصوصًا إذا استمرت الهجمات على المنشآت الحيوية أو تحولت إلى تهديد مستمر للملاحة التجارية.
النفط في قلب تداعيات التصعيد
يمثل استهداف منشآت الطاقة أحد أكثر جوانب الأزمة حساسية، لأن أي أضرار واسعة في البنية التحتية النفطية السعودية قد تؤثر في الإمدادات والأسعار العالمية.
وكانت رويترز قد أفادت في وقت سابق بأن اضطرابات أصابت خط الأنابيب السعودي الذي ينقل النفط من المنطقة الشرقية إلى موانئ البحر الأحمر، ما أثار مخاوف من تأثيرات على صادرات المملكة، خصوصًا مع اعتماد ميناء ينبع على الإمدادات التي تصل إليه عبر هذا المسار.
وفي ظل استمرار الاضطرابات في مضيق هرمز من جهة، وتصاعد المخاطر في باب المندب من جهة أخرى، يواجه قطاع الطاقة احتمال تعرض اثنين من أهم الممرات البحرية في المنطقة لضغوط متزامنة.
وهذا لا يعني بالضرورة توقف الإمدادات العالمية، لكنه يزيد تكاليف النقل والتأمين ويجبر شركات الشحن والطاقة على إعادة حساب مساراتها، خصوصًا إذا أصبحت المخاطر الأمنية مستمرة وليس مجرد أحداث محدودة.
مجلس الأمن يدين التصعيد ويحذر من تداعياته
وعلى المستوى الدولي، أدان مجلس الأمن الدولي بأشد العبارات استمرار هجمات جماعة الحوثيين على السعودية، بما في ذلك الهجمات التي أثرت في البنية التحتية المدنية وقطاع الطاقة وأسفرت عن إصابة مدنيين، بينهم نساء وأطفال.
ووفقًا لوكالة الأنباء القطرية، شدد أعضاء المجلس على رفض الهجمات والتهديدات التي تستهدف السفن التجارية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، مؤكدين ضرورة حماية السفن وأطقمها واحترام القانون الدولي وحرية الملاحة.
كما دعا المجلس الحوثيين إلى وقف التصعيد العسكري والهجمات التي تؤثر في المدنيين والمنشآت المدنية، محذرًا من أن استمرار القتال قد يؤدي إلى توسيع نطاق الحرب وتهديد الأمن البحري والتجارة الدولية.
وأعرب أعضاء المجلس عن قلقهم من نزوح ما لا يقل عن 125 ألف شخص في اليمن منذ بداية سبتمبر، وفق بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، مؤكدين أن التصعيد العسكري يفاقم الوضع الإنساني المتدهور أصلًا.
وجدد المجلس دعمه للمبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ، داعيًا الأطراف إلى الانخراط في جهود سياسية تقود إلى تسوية تفاوضية شاملة، ومؤكدًا أن السلام الدائم في اليمن لا يمكن تحقيقه باستخدام القوة.
إيران تتحدث عن الوساطة وإنهاء الحرب
وبالتزامن مع التصعيد العسكري، برز مسار سياسي إقليمي لمحاولة احتواء المواجهة.
وقال أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي، في مقابلة مع قناة الجزيرة، إن طهران تريد إنهاء الحرب بين السعودية والحوثيين، وإن الاتصالات مع الوسطاء القطريين والباكستانيين مستمرة.
وأضاف أن إيران نقلت شروطها إلى الوسطاء بشأن استئناف المفاوضات مع واشنطن، مشيرًا إلى أن طهران تريد إنهاء الحرب على جميع الجبهات، فيما تنتظر ردًا أمريكيًا على المقترحات المطروحة.
وتأتي هذه التصريحات في وقت تتزايد فيه المخاوف من أن يؤدي اتساع المواجهة السعودية الحوثية إلى فتح جبهة إضافية داخل الصراع الإقليمي الأوسع، خصوصًا مع تزامنها مع التوترات في الخليج ومضيق هرمز.
اليمن أمام اختبار جديد
وتكشف التطورات الأخيرة أن الحرب اليمنية لم تعد أزمة داخلية منفصلة عن التحولات الإقليمية. فالتقدم الحوثي على الساحل، والهجمات التي تعلن الجماعة تنفيذها ضد السعودية، والتهديدات المرتبطة بالملاحة، كلها عوامل تربط الملف اليمني مباشرة بأمن الخليج والبحر الأحمر والطاقة العالمية.
ويرى خبراء أن استمرار التصعيد قد يزيد الضغوط على السعودية والحوثيين والقوى الإقليمية للبحث عن قنوات تفاوضية، لكن اتساع العمليات العسكرية قد يجعل الوصول إلى تفاهم سياسي أكثر صعوبة في المدى القريب.
وفي الوقت نفسه، تظل التداعيات الإنسانية هي الأكثر مباشرة داخل اليمن، حيث أدى القتال الجديد إلى موجة نزوح واسعة وأضرار في البنية التحتية، بينما تتراجع قدرة المؤسسات الإنسانية على الاستجابة مع استمرار نقص التمويل.
وبينما تستمر الضربات والتحذيرات الأمنية والتهديدات البحرية، تبدو الأزمة أمام مسارين متوازيين: تصعيد عسكري قد يمتد إلى المنشآت الحيوية والممرات البحرية، ومساعٍ سياسية تحاول منع تحول اليمن إلى ساحة جديدة في حرب إقليمية أوسع.







