تستعد شركة «تينسنت هولدينغز» الصينية لطرح سندات مقومة بالدولار واليوان الخارجي، قد تجمع من خلالها نحو 5 مليارات دولار، في خطوة تستهدف دعم استثماراتها المتزايدة في الذكاء الاصطناعي، وسط احتدام المنافسة بين شركات التكنولوجيا الصينية والأمريكية على تطوير النماذج المتقدمة وتوسيع قدرات الحوسبة.
وبحسب أشخاص مطلعين على الطرح، حددت الشركة السعر الاسترشادي الأولي للسندات الدولارية لأجل 10 سنوات عند نحو 115 نقطة أساس فوق عائد سندات الخزانة الأمريكية المماثلة، وللسندات لأجل 20 عامًا عند نحو 140 نقطة أساس. كما تسوق سندات مقومة باليوان الخارجي لأجل 10 سنوات و30 عامًا، بعائد استرشادي يبلغ 2.9% و3.5% على التوالي، مع إمكانية تسعير الأوراق المالية في أقرب وقت يوم الثلاثاء.
ويعكس الطرح توجه «تينسنت» إلى توسيع مصادر تمويلها لتمويل الإنفاق الرأسمالي المرتبط بالذكاء الاصطناعي، في وقت تتطلب فيه المنافسة استثمارات ضخمة في الرقائق ومراكز البيانات والبنية التحتية للحوسبة السحابية وتطوير النماذج.
الرقائق في صدارة الإنفاق
من المتوقع توجيه عائدات السندات إلى الأغراض العامة للشركة، بما في ذلك الإنفاق الرأسمالي المرتبط بالذكاء الاصطناعي، على أن يذهب الجزء الأكبر من هذا الإنفاق إلى شراء الرقائق، وفقًا للمعلومات الواردة عن أشخاص مطلعين على خطط الشركة.
وتكشف بيانات الربع الثاني عن تسارع واضح في هذا التوجه؛ إذ رفعت «تينسنت» نفقاتها الرأسمالية على مشروعات الذكاء الاصطناعي والحوسبة بنسبة 176%، لتصل إلى 52.8 مليار يوان، ما يعادل نحو 7.9 مليار دولار، خلال الربع المنتهي في يونيو.
وإذا استمر الإنفاق عند المستويات المسجلة في الربع الثاني، فقد يتجاوز الإنفاق السنوي 200 مليار يوان بقليل، وفق تقديرات أشخاص مطلعين، مع توقعات ببقاء الإنفاق الرأسمالي مرتفعًا خلال ما تبقى من 2026 وفي 2027.
وتعني هذه المستويات أن المنافسة في الذكاء الاصطناعي لم تعد مقتصرة على جودة النماذج والبرمجيات، بل باتت تعتمد أيضًا على القدرة على تأمين الرقائق المتقدمة وتوفير البنية التحتية اللازمة لتشغيل النماذج وتوسيع استخدامها.
منافسة صينية محتدمة على تطوير النماذج
تسعى «تينسنت» إلى اللحاق بمنافسين محليين، من بينهم «بايت دانس» و«علي بابا»، عبر تطوير نماذج ذكاء اصطناعي قادرة على منافسة نماذج شركات صينية متقدمة مثل «ديب سيك» و«مونشوت إيه آي». وتشمل خططها العمل على نموذج «Hy4»، المقرر إطلاقه في وقت لاحق من عام 2026، بحسب المعلومات الواردة في التقرير.
وتدير الشركة أيضًا واحدة من أكبر خدمات الحوسبة السحابية في الصين، بما يتيح لها توفير قدرات حوسبة للشركات التي تطور منصات وتطبيقات ذكاء اصطناعي خاصة بها. ويمنحها هذا النشاط فرصة للاستفادة من الطلب المتزايد على البنية التحتية الرقمية، إلى جانب تطوير منتجاتها وخدماتها.
لكن توسيع الإنفاق لا يضمن وحده تحقيق تقدم تنافسي أو عوائد مالية تتناسب مع حجم الاستثمارات؛ إذ يتوقف ذلك على قدرة الشركة على تحويل الإنفاق على الرقائق والحوسبة والنماذج إلى خدمات تجذب المستخدمين والعملاء وتولد إيرادات مستدامة.
ثاني طرح للسندات الخارجية خلال 2026
يمثل الطرح المرتقب ثاني عملية بيع لسندات خارجية تنفذها «تينسنت» خلال العام الجاري، وأكبر طرح لها من هذا النوع منذ 2020، وفق البيانات الواردة. وكانت الشركة قد جمعت في يونيو نحو 4.7 مليار دولار من خلال إصدار سندات طويلة الأجل مقومة بالدولار واليوان الخارجي، وخصصت حصيلتها لإعادة تمويل الديون والأغراض العامة، بما يشمل تطوير منتجات وخدمات الذكاء الاصطناعي.
وتبلغ القيمة الإجمالية للسندات الخارجية القائمة على الشركة نحو 22 مليار دولار، وفق بيانات «بلومبرغ» الواردة في التقرير، بينما لا تستحق عليها سندات عامة خلال العام الجاري، وتبلغ قيمة سنداتها الدولارية المستحقة في 2028 نحو 2.5 مليار دولار.
وتشير هذه البيانات إلى أن إصدار السندات يأتي في إطار استراتيجية تمويل أوسع، وليس بالضرورة استجابة لضغط استحقاقات فورية. كما يتيح التمويل طويل الأجل للشركة توزيع احتياجاتها المالية على فترات زمنية ممتدة، مع الاحتفاظ بمرونة أكبر لتوجيه الأموال إلى الاستثمار والتوسع.
موجة تمويل واسعة ومخاوف بشأن العائد
يتزامن تحرك «تينسنت» مع موجة تمويل تقودها شركات التكنولوجيا لتوفير رؤوس الأموال اللازمة لمشروعات الذكاء الاصطناعي. وكانت «سوفت بنك غروب» قد جمعت في الشهر السابق ما يعادل 11.1 مليار دولار، في واحد من أكبر طروحات سندات الشركات عالية المخاطر، لدعم طموحاتها في هذا المجال.
غير أن التوسع في الاقتراض والإنفاق يأتي وسط تساؤلات متزايدة بشأن قدرة الاستثمارات الضخمة في مراكز البيانات والرقائق وتطوير النماذج على تحقيق عوائد كافية. فكلما ارتفعت النفقات الرأسمالية، ازدادت أهمية تحويل القدرات التقنية الجديدة إلى إيرادات وأرباح تبرر تكلفة التمويل.
ومن هذه الزاوية، لا يقتصر تقييم طرح «تينسنت» على حجم الأموال المستهدف جمعها أو تكلفة الاقتراض، بل يمتد إلى الاستخدام الفعلي للحصيلة، ومردود الاستثمارات على المدى المتوسط والطويل، وقدرة الشركة على المنافسة في سوق تتسارع فيها وتيرة التطوير وتتزايد فيها الاحتياجات إلى الحوسبة.
وتكشف الخطوة عن رهان «تينسنت» على أن الذكاء الاصطناعي سيظل محورًا رئيسيًا لنمو قطاع التكنولوجيا، لكنها تضع الشركة أيضًا أمام اختبار مالي يتمثل في تحقيق توازن بين تمويل التوسع والمحافظة على كفاءة الإنفاق، في وقت أصبحت فيه القدرة على الاستثمار المستمر عنصرًا حاسمًا في المنافسة، دون أن تكون ضمانًا كافيًا لتحقيق عوائد مرتفعة.


