صعود التيارات الإسلامية في مصر كان رد فعل على صعود الغلو التغريبي فيها
يتميز المفكر الكبير طارق البشري بمزجه بين خبراته كقاض كبير عميق الخبرة، ورئيس للجمعية العمومية للفتوى والتشريع في مجلس الدولة، وبين عمله الفكري كباحث متخصص في التاريخ المصري الحديث، فتأتي تأملاته في الأحداث والأفكار والقضايا شديدة الدقة، وعميقة الرؤية، وأقرب للإنصاف، وأبعد عن التحامل أو الميل أو الغرض، فهو يقرأ الحادث التاريخي ويتأمله بروح القاضي، وبخبرة المؤرخ أو الباحث التاريخي، ويضعه في سياقه الاجتماعي والتاريخي، وهكذا فعل في حديثه عن ظواهر التطرف والغلو والعنف والتشدد الديني التي برزت على سطح الأحداث منذ قرابة قرن من الزمان وحتى اليوم.
في كتابه المهم “الملامح العامة للفكر السياسي الإسلامي في التاريخ المعاصر”، فرق الحكيم البشري بين مصطلحي “التطرف” و”العنف”، حيث يخلط كثيرون بينهما، ورأى أن العنف هو أداة في الصراعات السياسية، ليست متصلة بالتطرف، فقد تقع حتى مع قوى معتدلة، كما أن التطرف ليس لصيقا بالعنف، فقد يكون هناك التطرف الفكري بعيدا عن أي عنف عملي أو سياسي، ويضيف موضحا ذلك من سياق التاريخ المصري الحديث قائلا: “فحزب الوفد في مصر مثلا لم يعتبر متطرفا رغم أنه شكل تنظيما سريا يمارس العنف في ثورة 1919. ولا نكاد نرى اختلافا في الطبيعة السياسية للوفد من حيث الاعتدال أو التطرف، عندما وجد هذا التنظيم السرى أو بعد تصفيته. والثورة الصينية لم تعتبر متطرفة لمجرد أنها أمسكت السلاح حتى انتصارها في 1949”.
ويرى البشري أن العنف في الحياة السياسية المصرية كان يبرز في الفترات التاريخية التي تنسد فيها أفق السياسة الشرعية، وتعجز المنظومة السياسية عن احتواء قوى جديدة تبحث عن مكانة أو شراكة، ويقول: “موجات النشاط السياسي المطبوع باستخدام العنف، قد تكررت في مصر في 1910 -1912، 1919، 1946- 1948. وهي بعينها الفترات التي لم تتح المؤسسات الرسمية والشرعية فيها للمعارضة إمكانيات الظهور والتأثير بالقدر المناسب لحجم المعارضة الحاصلة. والجدير بالملاحظة هنا أن استخدام العنف لم يكن بالضرورة واللزوم، صنيع التيارات الأكثر تطرفا من الناحية السياسية. وقد مورس أحيانا من جماعات محدودة مغلقة لا ترتبط تنظيميا بحزب أو تيار أساسي”.
ويلاحظ هنا أن تلك الفترات التي أشار إليها البشري بظهور أعمال عنف سياسي، بعضها لم يكن قد عرف مولد الحركات الإسلامية بمفهومها المعاصر، منذ نشأة جماعة الإخوان وما بعدها، كما أن بعض ذلك العنف وقع من قوى سياسية مدنية غير دينية.
ثم يحلل البشري بدقة شديدة بروز ظواهر الغلو الديني في الحالة الإسلامية، ويناقش أسبابها المطروحة، وينقد طرحها كسبب وحيد أو حتى جوهري للظاهرة، فهو ينقض إعادة سببها إلى الفقر والمعاناة في المجتمع، بسؤال بديهي: ولماذا لم يتجه الشباب إلى تيارات الغلو العلماني أو اليساري مثلا؟ كما ينقض طرح بعض الإسلاميين لأن ظهور التطرف سببه التعذيب في سجون عبد الناصر، طارحا حقيقة أن التطرف ظهر في أفواج من الشباب في أوقات لاحقة لم تعرف التعذيب ولا عانت من السجون، كما ينقض فرضية أنها ظهرت بعد هزيمة يونيو 1967 وأن الجيل الجديد قال أن التجربة الاشتراكية فشلت كما فشلت الليبرالية فلماذا لا نجرب الإسلام، ويرى أنها فرضية غير صحيحة تاريخيا لأن التيار الإسلامي ظهر قبل النكسة، وإعدام سيد قطب حدث قبلها.
والبشري لا ينفي تأثير تلك الأسباب كلها، ولكنه يرى أن تأثيرها فرعي، أو أنها أسباب ثانوية لظهور الغلو الديني، وليست السبب الرئيسي.
ثم يقدم البشري رؤيته للسبب الرئيس والجوهري لظهور الغلو والتشدد في الحالة الدينية الإسلامية، وأيضا ظهور الحركات الإسلامية، ويقرر بوضوح أنه غلو ولد كرد فعل على الغلو العلماني التغريبي الذي اجتاح المجتمع والسلطة، وأن هذا الغلو الديني سيظل حاضرا في المجتمع طالما وجد الغلو التغريبي ومعاندته لهوية الأمة وعمقها الديني والحضاري.
البشري يضرب لنا نموذجا من قراءته التاريخية، لشخصية سياسية وصحفية مصرية شهيرة، وتقلباتها الفكرية والسلوكية، وكيف أنها هاجرت من مصر بسبب التهديد السياسي فعاشت في أوربا وتزوجت من أوربية ومارس صاحبه حياته كالأوربيين، لكنه عندما عاد إلى مصر بعد سنوات طويلة، ووجد فيها موجات التغريب وقد اجتاحت المجتمع، عاد إلى لبس زيه المحلي القديم “الجبة والقفطان”، وألزم زوجته الأوربية بالحجاب بل بالنقاب، وتحول إلى حالة من التشدد الديني والغلو في الموقف الاجتماعي، ليخلص البشري من ذلك إلى القول بأن ما حدث لهذه الشخصية كان رد فعل على الغلو العلماني الذي ساد في المجتمع والحياة السياسية معه، وشكل له صدمة هوياتية.
يقول البشري: “وفي هذا الصدد تحضرني قصة الشيخ على الغاياتي. كان شابا أزهريا يعالج الشعر، انتقل من بلده دمياط الى القاهرة في طلب العلم. فعرف صحيفة اللواء في 1907 واتصل بمحمد فريد وعبد العزيز جاويش. ومع تصاعد الحركة الوطنية في 1910، جمع من شعره ما أصدر به ديوانا اسماه (وطنيتي)، وكتب مقدمته محمد فريد، فقبض على محمد فريد وهرب الغاياتي الى تركيا ثم سويسرا، حيث بقى سبعا وعشرين سنة تزوج خلالها من فرنسية وعاش عيشة أوروبية خالصة. وأصدر مجلة (منبر الشرق)،، وعلا نجمه حتى صار ذا صلات واسعة بدوائر السياسة والاعلام الأوروبية.
عاد الغاياتي إلى مصر في ۱۹۳۷ فماذا حدث، لم يلبث طويلا حتى عاد الى الجبة والقفطان يرتديهما وإلى العمامة يلبسها. وأطلق لحيته وإعادة إلى اسمه: الشيخ على الغاياتي، وألزم زوجته الفرنسية عادات سيدات الشرق تحجبا وتنقبا. ماذا حدث؟ يوضح ذلك أحمد حسين بقوله إن الرجل تحرك حركة عكسية لما شاهد بلده يتحرك إليه، رأى الانحلال فسلك إلى التحفظ، ورأى اندفاع الثلاثينات في مصر إلى اللادينية فاستمسك بالدين، ورأى الإباحية تتشح بالتطور فهتف: إني رجعي… والحق أن الرجل كان عنيدا مقاوما. لقد قبل الأوربية في أوروبا ومارسها الى حد الزواج. ولكن لما عاد يطلب بلده لم يجده، ووجده أوروبا نسخة مقلدة أمامه. لم يعد الى مصر، بل هاجر اليها، وربط بهذا كل ما شاهده في النسخة المقلدة، من زيف وميوعة”.
يعلق البشري على قصة علي الغاياتي قائلا: أكتفي بهذه القصة لبيان ما أريد الإشارة اليه، في فهم المنطق الداخلي للحركة الإسلامية التي تصاعد نموها في مصر في تلك الفترة عينها”.


