خروج الإنسان من وطنه اضطرارا، وعيشه بعيدًا عما ألفه من الأهل والأصدقاء والشوارع والمساجد والمقاهي والأفراح والأتراح، ليس سهلا على النفس أبدًا، وتزداد صعوبته عندما يكون من مثقف أو سياسي أو حقوقي أو صحفي أو شخص مهموم بالشأن العام، خرج ـ مكرها ـ نجاة بنفسه من بطش السلطة وطيشها وغضبها، ولم يخرج بحثا عن فرصة عمل أو حياة أفضل، فحياته في وطنه لا يعدلها حياة.
لم يكن يدور في خلدي أو خيالي أبدا، أنني سأكون يوما ما لاجئا في بلاد الله، بعيدا عن مصر، لم يرد هذا الخاطر في خيالي ولا في الأحلام، لكني أكتب الآن هذه السطور وأنا لاجئ سياسي، أقيم في إسطنبول، بعيدا عن وطني أكثر من سبع سنوات، ولا أعلم إلى أي زمن ستمضي هذه الغربة، وهل يأذن الأجل بعودة وأنت حي، أم تموت في غربتك، لا تدري، فكل الاحتمالات مفتوحة أمامك.
قرار الهجرة أو الخروج من مصر اتخذته خلال دقيقتين فقط، بعد أن وصلتني من أصدقاء قانونيين ذوي صلة معلومات مؤكدة أن قرارا صدر باعتقالي “ضبط وإحضار”، وأنه ليس أمامي وقت يسمح حتى بترتيب أموري قبل السفر، كان القرار أن أسافر على أول طائرة تغادر إلى أي دولة لا تحتاج إلى ترتيبات الحصول على تأشيرة مسبقة لدخولها، فكان الاختيار تركيا، وخلال ساعات قليلة من اتخاذ القرار كنت في الطائرة المتجهة إلى إسطنبول في رحلة ذهاب بلا عودة، للمرة الأولى في حياتي.
في مصر، كما في كثير من بلاد العرب، لست أول من هاجر، أو أقدم على اللجوء السياسي، كما لا أظن أنني أو أبناء جيلي، سيكونون آخر من يضطر إلى ذلك، لأن الأفق السياسي مسدود، وإلى أجل غير مسمى، وطالما وجد العقاب على قول كلمة الحق، أو ما تراه حقا، فستظل الملاحقات للمثقفين والصحفيين والسياسيين والنشطاء، وستظل رحلة اللجوء والهجرة خارج البلاد مستمرة.
حتى وقت قريب في تاريخ مصر، كان اللجوء السياسي أو الهجرة الاضطرارية مقصورة على الصحفيين تقريبا، بعضهم مات في غربته، مثل عبد الله النديم الذي دفن في إسطنبول، وعبد الرحمن الخميسي في موسكو، والصحفي الكبير أحمد أبو الفتح صاحب جريدة “المصري” أقوى جرائد مصر قبل انقلاب عبد الناصر، وبعضهم جرفت أمواج الحياة النظام الذي كان يعاديه فطويت صفحته، وأتى نظام جديد مختلف، فتصالح مع النظام الجديد الذي ورثه، وعاد إلى مصر ومات فيها، كما حدث مع محمود السعدني وعبد العظيم مناف، وغيرهم.
أحيانا كان يراودني خاطر أن أتقدم بطلب إلى السلطات التركية أن يسمحوا بدفني إلى جوار “عبد الله النديم”، كأول صحفي مصري يموت فيها لاجئا بسبب نشاطه الصحفي، ثم أعود فأستسخف نفسي وتفكيري، وأتعلق بالأمل أن تجري المقادير بتغييرات تسمح بالعودة، وأن تدفن في وطنك، الذي لم تعد تملك فيه سوى مقبرة صغيرة من مترين.
من مقدمة كتابي «من أوراق لاجئ سياسي»







