تواجه مدينة جوهانسبرغ، المركز الاقتصادي الأكبر في جنوب إفريقيا، ضغوطاً مالية متزايدة دفعت مركزاً بحثياً إلى التحذير من دخول المدينة في ما وصفه بـ«حلقة مالية مدمرة»، مع تراجع قدرة السلطات المحلية على تمويل الخدمات والاستثمار في البنية التحتية.
ووجهت دراسة حديثة تحذيراً من أن الوضع المالي للمدينة يقترب من مرحلة يصعب فيها كسر الدائرة بين ضعف الإيرادات، وتراجع جودة الخدمات، وتراجع ثقة السكان والشركات، ثم زيادة الضغوط على الموارد العامة.
وتكتسب الأزمة أهمية خاصة وفقا للدراسة لأن جوهانسبرغ ليست مدينة هامشية، بل تمثل أحد المحركات الرئيسية للاقتصاد الجنوب إفريقي. ولذلك فإن استمرار ضعف الإدارة المالية لا ينعكس على سكان المدينة وحدهم، وإنما يمكن أن يؤثر في الاستثمار والنشاط التجاري والقدرة على جذب الشركات.
نموبطىء
وتشير المعطيات الاقتصادية الأوسع إلى أن اقتصاد جنوب إفريقيا لا يزال يتحرك بوتيرة بطيئة. وتقدر منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية نمو الاقتصاد بنحو 1.2 في المائة خلال 2026، مع توقع استمرار الضغوط على القوة الشرائية، فيما يمكن أن يؤدي ضبط الإنفاق الحكومي إلى الحد من الزيادة في الإنفاق العام.
لكن مشكلة جوهانسبرغ تحمل بعداً اجتماعياً لا يمكن اختزاله في الأرقام. فضعف المالية البلدية يعني عملياً أن السكان قد يواجهون تراجعاً في جودة الكهرباء والمياه والنقل والصيانة والخدمات المحلية، بينما تتحمل الأسر الفقيرة عادة الجزء الأكبر من آثار تراجع الخدمات العامة.

ويظهر هذا التحدي في سياق أوسع؛ إذ يشير البنك الدولي إلى أن جنوب إفريقيا لا تزال تواجه فجوات في البنية التحتية وتحديات في تقديم الخدمات تؤثر في مستويات المعيشة وثقة المستثمرين والنشاط الاقتصادي.
ومن ثم فإن معالجة الأزمة عبر خفض الإنفاق وحده قد لا تكون كافية. فالمدينة تحتاج إلى تحسين تحصيل الإيرادات، وتقليل الهدر، ورفع كفاءة المؤسسات، وفي الوقت نفسه حماية الخدمات الأساسية التي يعتمد عليها السكان.
وومن المهم القول هنا أن هذه النقطة مهمة في تقييم سياسات التقشف المالي. فالانضباط المالي مطلوب عندما تتراكم العجوزات، لكنه يصبح أكثر تعقيداً عندما تكون البنية التحتية والخدمات العامة أصلاً تحت ضغط. تقليص الإنفاق الاجتماعي أو الاستثماري بصورة واسعة يمكن أن يخفض العجز على المدى القصير، لكنه قد يضعف قدرة المدينة على تحقيق نمو مستدام على المدى الأطول.
تداعيات الإصلاح
كما أن الأزمة تعيد طرح مسألة العدالة في توزيع أعباء الإصلاح. فالمطلوب ألا تتحول معالجة الاختلال المالي إلى زيادة غير متناسبة في الأعباء على الأسر محدودة الدخل، بينما تبقى مشكلات الإدارة والتحصيل والفساد وسوء التخطيط دون معالجة كافية.
وتشير مراسلة حديثة وجهها مقررو الأمم المتحدة الخاصون بشأن السكن اللائق والفقر المدقع إلى جنوب إفريقيا إلى استمرار الاهتمام الدولي بقضايا السكن ومستويات المعيشة وعدم التمييز، بما يعكس حساسية العلاقة بين السياسات الاقتصادية والحقوق الاجتماعية.
وفي المقابل، لا تخلو الصورة من مؤشرات إيجابية؛ فقد تباطأ التضخم في جنوب إفريقيا إلى 4.3 في المائة على أساس سنوي في يوليو، وفق بيانات اقتصادية حديثة، وهو ما قد يمنح السلطات مساحة محدودة لتحسين الظروف المالية للأسر والشركات.
لكن تحسن التضخم وحده لن يحل أزمة جوهانسبرغ. فالمشكلة الأساسية تتعلق بقدرة المدينة على تحويل مواردها الاقتصادية الكبيرة إلى خدمات مستقرة وبنية تحتية قادرة على دعم النمو.

ويرى الاتجاه النقدي في تقييم الأزمة أن إصلاح المالية العامة ينبغي ألا يتحول إلى مجرد تقليص للنفقات، بل إلى إعادة بناء الإدارة المحلية، وتحسين التحصيل، ومحاربة الهدر، وضمان توجيه الموارد إلى الخدمات الأساسية.
وفي مدينة بهذا الحجم، فإن نجاح الإصلاح المالي لا يقاس فقط بحجم العجز الذي تم خفضه، وإنما أيضاً بقدرة السكان على لمس تحسن فعلي في الخدمات التي يدفعون مقابلها.







