تعيش الساحة المغربية هذه الأيام على وقع حراك اجتماعي متجدد تقوده فئة الشباب المعروفة بـ”جيل زد”، الذين خرجوا إلى الشوارع مطالبين بإصلاحات سياسية واقتصادية جذرية، ومنددين بسياسات التهميش والبطالة وغلاء المعيشة.
هؤلاء الشباب، الذين يمثلون النسبة الأكبر من سكان المملكة، عادوا منذ مساء امس السبت -ومازال البعض منهم بالشوارع- ليضعوا ملف الحرية والإصلاح في صدارة المشهد.
وطالبوا بإطلاق سراح المعتقلين الذين تم توقيفهم خلال موجة التظاهرات الأخيرة، وبين رغبة في التغيير وخشية من الفوضى، يجد المغرب نفسه أمام معادلة دقيقة بين الاستقرار السياسي ومطالب الجيل الجديد بالعدالة الاجتماعية والحرية.
جيل جديد بعقلية مختلفة
يتميز “جيل زد” في المغرب، كما في باقي دول العالم، بوعيه السياسي المبكر واعتماده على التكنولوجيا كوسيلة للتعبئة والنقاش، هذا الجيل لم يعد يقبل بالخطابات الرسمية التقليدية ولا بالشعارات الفارغة، بل يسعى إلى حلول ملموسة تتعلق بالتعليم وفرص العمل والمشاركة السياسية.
ويرى محللون أن هذا الجيل لم يرث ثقافة الخوف من السلطة كما كانت لدى الأجيال السابقة، وهو ما جعله أكثر جرأة في التعبير والمطالبة بالإصلاح.
وعى جماعى جديد
الخبير في علم الاجتماع السياسي الدكتور عبد اللطيف المتوكل يوضح أن “جيل زد بالمغرب يعبر عن وعي جماعي جديد، لا ينطلق من الأيديولوجيا بل من المطالبة بالكرامة والفرصة والحرية، وهو ما يجعل حراكه مختلفًا في الشكل والمضمون عن الحركات السابقة مثل تظاهرات 20 فبراير 2011”.
اقتصاد ضاغط وواقع معيش صعب
في الوقت الذي تشهد فيه البلاد نموًا اقتصاديًا متذبذبًا وتحديات مالية، يزداد إحباط الشباب المغربي من قلة فرص العمل وارتفاع تكاليف المعيشة، فبحسب تقارير البنك الدولي، تصل نسبة البطالة بين الشباب إلى أكثر من 30% في بعض المناطق، بينما تتصاعد أسعار السلع الأساسية بفعل التضخم العالمي وتأثيرات الجفاف وضعف الإنتاج الزراعي.
الخبير الاقتصادي يوسف بنعيسى يقول إن “المشكلة ليست فقط في غلاء الأسعار، بل في غياب رؤية اقتصادية تستوعب طاقات الشباب، فالمغرب بحاجة إلى إعادة توزيع الثروة بشكل عادل وإصلاح سوق الشغل، وإلا فإن موجات الغضب ستتكرر بصورة دورية”.
الاحتجاجات ومطالب الإفراج
شهدت مدن مثل الدار البيضاء وطنجة والرباط مؤخرًا وقفات احتجاجية متفرقة دعا إليها ناشطون من جيل زد عبر منصات التواصل الاجتماعي، للمطالبة بالإصلاحات وإطلاق سراح من تم اعتقالهم خلال المظاهرات، هذه الدعوات وجدت صدى واسعًا على الإنترنت، حيث تحولت إلى حملة رقمية تحت وسم #حرروا_المعتقلين، طالبت بالإفراج عن الموقوفين الذين شاركوا في احتجاجات سلمية.
ويرى الناشط الحقوقي مصطفى الرامي أن “التعامل الأمني وحده لا يمكن أن يكون الحل، ولكن المطلوب هو فتح حوار وطني شامل مع الشباب، والاستماع لمطالبهم في بيئة آمنة، بعيدًا عن لغة التخوين أو الترهيب”.
بين الدولة والمجتمع: التوازن الصعب
تدرك السلطات المغربية أهمية الاستقرار في ظل الأوضاع الإقليمية الحساسة، لكنها في الوقت نفسه تواجه ضغوطًا متزايدة لتبني إصلاحات سياسية واقتصادية أعمق.
وبينما تحاول الحكومة تمرير برامج اجتماعية وتحفيزية للشباب، يرى كثير من المراقبين أن الإجراءات تبقى شكلية وغير كافية لمعالجة جذور الأزمة.
وتقول الباحثة في الشؤون السياسية أمينة لحلو إن “الدولة المغربية بحاجة إلى مقاربة جديدة في إدارة العلاقة مع الجيل الجديد، قائمة على الثقة والمشاركة، لا على الرقابة والمنع، فجيل زد لا يمكن احتواؤه بالقوانين القديمة ولا بخطاب الخوف من المجهول”.
فرصة للإصلاح لا ينبغي إهدارها
حراك جيل زد المغربي ليس مجرد موجة احتجاج، بل مؤشر على تحول اجتماعي عميق في الوعي الجمعي للمغاربة، هؤلاء الشباب لا يبحثون عن الفوضى، بل عن وطن عادل يحتضن طموحاتهم.
إن إطلاق سراح الموقوفين وفتح حوار وطني صادق مع الجيل الجديد يمكن أن يشكل نقطة انطلاق نحو إصلاح حقيقي يعزز ثقة المواطن في الدولة ويضمن استقرار البلاد.






