اتققت مصر والجزائر وتونس على تكثيف التنسيق السياسي بشأن الأزمة الليبية، وحذرت من خطورة استمرار الانقسام المؤسسي، وداعية إلى انسحاب فوري وشامل للقوات الأجنبية والمرتزقة والمقاتلين الأجانب من كامل الأراضي الليبية، بالتوازي مع الدفع نحو إنجاز انتخابات رئاسية وبرلمانية متزامنة تنهي المراحل الانتقالية الممتدة.
إجماع ثلاثي على ملكية التسوية
أكد البيان الختامي الصادر عن اجتماع وزراء خارجية الدول الثلاث في الجزائر العاصمة، والذي ضم وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، والجزائري أحمد عطاف، والتونسي محمد علي النفطي، أن حل الأزمة يجب أن يكون ليبياً – ليبيا خالصاً تحت رعاية الأمم المتحدة.
وشهد الاجتماع التوافق على ضرورة حماية وحدة البلاد وسيادتها وسلامة أراضيها، مع توحيد المؤسسات المدنية والعسكرية والأمنية لضمان الاستقرار المستدام.
وتتأثر عواصم الجوار الثلاث مباشرة بانعكاسات الملف الليبي؛ إذ تضع مصر أمن حدودها الغربية وسوق العمل والمصالح الاقتصادية في مقدمة أولوياتها، بينما تركز الجزائر على منع التدخلات الأجنبية المحاذية لنطاقها الإقليمي، وتستشعر تونس انعكاسات الاضطراب على حركة التجارة وأمن الحدود البحرية والبرية.
عقبات التوافق الدستوري
شدد الوزراء على أهمية إجراء الانتخابات ضمن إطار دستوري وقانوني متفق عليه وإنهاء حالة التشرذم، إلا أن إجراء العملية الانتخابية يظل مرهوناً بحسم الخلافات حول القواعد التنفيذية وجاهزية المؤسسات الأمنية لضمان قبول النتائج وعدم تجدد الصراع.
وعلى صعيد الملف العسكري، يطرح مطلب إخراج المرتزقة والقوات الأجنبية تحديات عملياتية حول آلية التنفيذ والرقابة الدولية والمدد الزمنية للتفكيك.
كما ركز الاجتماع على ضرورة حماية الأصول المالية والنفطية الليبية المجمدة في الخارج، وضمان إدارتها بصورة سليمة توفر التنمية للشعب الليبي وتمنع استغلال الثروات الوطنية في الصراعات السياسية.
اختبار التأثير الإقليمي
يمثل التنسيق الثلاثي فرصة لتعزيز وزن دول الجوار المباشر في المحافل الدولية المعنية بليبيا، شريطة تحويل التوافقات إلى مقترحات عملية تدعمها الأمم المتحدة والأطراف المحلية الفاعلة، واستعداد القوى الأجنبية للتراجع عن ترتيباتها الميدانية.
وقد اتفق الوزراء على عقد اجتماعهم القادم ضمن الآلية التشاورية الثلاثية في تونس لمتابعة تنفيذ المخرجات وتحديد جدول زمني للخطوات الإجرائية.
أكدت البيانات الرسمية الصادرة عن اجتماع الجزائر في 25 أكتوبر 2026 التوافق الكامل بين مصر والجزائر وتونس على ضرورة إنهاء التواجد العسكري الأجنبي وحماية أصول ليبيا المالية والنفطية.
وسلطت التقارير الإعلامية الضوء على الاتفاق الثلاثي لعقد الجولة القادمة من الاجتماعات الوزارية في تونس لمتابعة ترتيبات الملف الانتخابي وتوحيد المؤسسات الأمنية.
بين إعلان المبادئ واختبارات الميدان
تثبت مجريات الحركة الدبلوماسية لدول الجوار الليبي أن التوافق على الثوابت العامة ينقل الملف إلى مرحلة جديدة من الضغط السياسي، غير أن المحك الفعلي يكمن في ترجمة البيان إلى آليات ملزمة لإخراج القوات الأجنبية وتجاوز الصفقات الضيقة.
إن نجاح عواصم الجوار الثلاث في صياغة مسار تنفيذي موحد بالتنسيق مع الأمم المتحدة يُعد الضمانة الوحيدة لمنع تحول ليبيا إلى ساحة صراع مفتوحة، وتأمين الحدود المشتركة ضد مخاطر الإرهاب والفوضى.
صراع الإرادات الأجنبية
تتمثل العقبة الكبرى أمام تنفيذ مخرجات البيان الثلاثي في طبيعة الارتباطات التي أنشأتها القوى الدولية والإقليمية داخل الجغرافيا الليبية:
شبكة المصالح العسكرية والأمنية: تحولت القواعد العسكرية والموانئ في ليبيا إلى نقاط ارتكاز إستراتيجية لقوى دولية وإقليمية متنافسة؛ مما يجعل قرار سحب المرتزقة أو المقاتلين الأجانب مرتبطة بتفاهمات دولية أوسع تتجاوز قدرة الأطراف المحلية على إملاء شروطها.
سلاح الميزانية والأصول النفطية: تشكل السيطرة على حقول النفط وإيراداتها وسيلة الضغط الأبرز بين القوى المتصارعة، وتصطدم الدعوة المغاربية لحماية الموارد وتوجيهها للتنمية بعرقلة عملية التوزيع العادل للثروة واستخدام ورقة الإغلاقات النفطية للمناورة السياسية من قبل قوى الميدان.
تعدد الأجهزة الأمنية والميليشيات: يصطدم هدف “توحيد المؤسسة العسكرية والأمنية” بوجود تشكيلات مسلحة نافذة في طرابلس ومناطق الغرب، وأخرى تتمتع باستقلالية عالية في الشرق، مما يتطلب برنامجاً شاملاً للدمج والتسليح ينقل الولاء إلى المؤسسة المركزية بدلاً من القيادات الأهلية أو الفردية.
وتؤكد القراءات الميدانية المتقاطعة أن التحرك من دول الجوار والحدود يتطلب موافقة صريحة من مجلسي النواب والأعلى للدولة على القوانين الانتخابية المنظمة لإنهاء انسداد العملية السياسية.
وتسلط الدراسات الأمنية الضوء على أن إخراج المرتزقة والقوات الأجنبية يظل مقترناً برغبة الأطراف الفاعلة في طرابلس وبنغازي في التنازل عن مظلات الحماية الخارجية لصالح آلية أمنية محلية مشتركة تحت رعاية الأمم المتحدة.
ضغط الجوار وتكلس المشهد المحلي
تثبت معطيات الواقع الليبي أن نجاح مبادرة مصر والجزائر وتونس يظل رهيناً بمدى قدرة هذه الدول على تشكيل جبهة إقليمية ضاغطة تتجاوز التباينات وتخاطب المكونات الليبية بلغة واحدة.
إن استمرار الانقسام الميداني وتشبث القوى المحلية بامتيازات السلطة والسلاح سيبقي الدعوات إلى الانتخابات وإخراج القوات الأجنبية حبراً على ورق، ما لم تقترن بإرادة دولية حاسمة تفرض عقوبات على المعرقلين وتدعم القنوات السياسية للوصول إلى شرعية صندوق الاقتراع.


