هي نظراتٌ وتأملاتٌ، كتَبْتُها عن وَعْيٍ لمسارِ عُمْرٍ، أحكي فيه تجربةً عِشْتُها منذ أن كنتُ يافعًا.
لا أرويها للتسلية، بل لتكونَ دروسًا مُلهِمةً تُستخلص من مدرستين:
مدرسة التربية التي علَّمتني القواعد، ومدرسة الحياة التي كسرت بعضها وبنَت بديلاً.
المدرسة الأولى: الجندية قبل القيادة
تعلَّمْتُ في مسيرتي النضالية أن الذي لا يمارس الجنديةَ – بأن يتعلم، يتدربَ، ينفِّذ، ويصبرَ – لا يصلحُ لِممارسة مهام القيادة.
هذا درس من مدرسة التربية التدريبية الروحية: لا قائد دون تلمذة.
لكن مدرسة الحياة أضافت:
من أراهم يقفزون إلى القيادة دون جندية، يُدمِّرون المنجزات.
رأيتُهم بأُمِّ عيني: الذين يمتهنون هواية التسلق على الأكتاف، أو المرورَ وتخطِّي الرقاب في الصلوات.
كلما رأيتُهم، وقفتُ متأملاً: واقعٌ أقفُ عنده كلَّ حين، بل كلَّ مرة.
المدرسة الثانية: المقعد الخلفي ليس ضعفًا
في تلك المسيرة العمريَّة، تعلَّمْتُ أن الجلوسَ في الأماكن الخلفية ليس ضعفًا، بل هو قُدرةٌ على التخلِّي عن الزوائد.
مدرسة التربية تقول: تواضع.
أما مدرسة الحياة فتقول: الزوائد هي الكبر، الرياء، حب الظهور. من تخلَّى عنها صار خفيفًا، ومن خفَّ قادَ بلا عناء.
المدرسة الثالثة: العفة في الموائد والزهد في الفضاءات
أبصرُ حولي، فالحمدُ لله أنني عَوَّدْتُ نفسي:
أن تَعِفَّ عند الموائد – فلا أمدُّ يدي إلى ما ليس لي –
وأن تَزْهَدَ في الفضاءات – فلا أحتكر مكانًا أو منصبًا.
مدرسة التربية تسمي هذا “الأدب”، ومدرسة الحياة تسميه “النجاة”.
مع يقيني أن نصيبي حاضرٌ ومقسوم، فلماذا المزاحمة؟
المدرسة الرابعة: معافاة من الصور المنحرفة
في مرات كثيرة ألمح بأُمِّ عينَيَّ صورًا منحرفة: ظلمًا، رشوةً، تسلقًا، خيانةً.
فأحمد الله على المعافاة.
مدرسة التربية تقول: “غض بصرك”.
أما مدرسة الحياة فتقول: “من سلم من هذه الصور فهو في نعمة عظمى”.
المدرسة الخامسة: حمل الأثقال بنية الأجر
قد يحملني غيري الأثقال – أثقال أخطائهم، مسؤولياتهم، حتى ظلمهم – فأحملها بنية الأجر.
هنا تلتقي المدرستان:
التربية تعلم الصبر، والحياة تعلم أن هذا الصبر إذا نَوى به المرء الأجر، صارت الأثقال خفيفة كوزن الريشة.
فأصبر سالماً، بل كأنني لم أحمل شيئًا.
المدرسة السادسة: القناعة تاج، والعفة ثمرة مران طويل
ليت الأيام تعود، فأخبر الملهوف الذي يلهث وراء كل شيء:
أن القناعة تاج على رؤوس الملوك. ليس الملوك من يملكون، بل من يكتفون.
وأن العفة في الطلب ليست فقرًا، بل ثمرة تحلية – تزيين النفس بالرضا – ووقف مران طويل.
لا يصل إليها أحد دون تدريب. ومدرسة الحياة لا تمنح الشهادات، بل تمنح التجاعيد والحكمة.
وما كتبته ليس وصية، بل شهادة.
من عاش مثلما عشت، يعرف أن القيادة الحقيقية تبدأ من المقعد الخلفي، وتنتهي عند القناعة.







