لا يجوز أن يتردد المرء في بيان حقائق التاريخ التي لم يشهدها أبناؤنا حتى لا تصبح هذه الحقائق طي النسيان أو يأتي يوم تخلط فيه أوراق الحقيقة فتزوّر تفاصيلها لصالح ظالم غاشم.
كنت في العشرين من عمري في شباط 1982م يوم استباحت مدينةَ حماةَ السورية سرايا الدفاع بقيادة رفعت الأسد فكانت الحصيلة أكثر من خمسين ألف فقيد، وأرّخت للمذبحة كتب عديدة مثل كتاب (حماة مأساة العصر)، وكُتِبت في رثاء الشهداء الأشعار وصدحت الأناشيد، وما زال أبناء الشهداء وأنسباؤهم وأصهارهم شاهدين على ما حصل، يوم سُمِلت العيون وقطّعت الأجساد ورمي العشرات من الشباب بالرصاص الحي مرات كثيرة بالجملة في ساحات حاراتهم.
كانت الحرب وقتها معلنة على الله، استَهدفوا فيها علماء الشرع الشريف وعلى رأسهم مفتي حماة رحمهم الله جميعا، وخطباء المساجد وأئمتها والمؤذنون والأطباء والمهندسون، والدراويش والمعوّقون، وحاولوا النيل من شرف بعض النساء فقمن بشرب السمّ لئلا تنتهك أعراضهن.
ولم يتوقف الاستهداف على المسلمين الذين رُموا بالتطرف والإرهاب، بل تعدى ذلك إلى النيل من المسيحيين بتهمة «الإرهاب الإسلامي»!
حقبة صبغت بالدم حُقّ لكل سوري بل لكل منصف أن يفرح لزوالها، ثم لزوال رموزها، ولا عاقل يشمت بالموت، ولكن الموت زائر حبيب حين يريح الأرض من وقع أقدام الظالمين.




