في زمنٍ تُقاس فيه اللحظات بعدد الإشعارات، وتُختزل فيه القيم في «ترند»، يصبح «إغلاق الشاشة» فعلًا تحرريًا بامتياز.
ليست القضية في جهازٍ نحمله بين أيدينا، بل في قبضةٍ خفيةٍ تمسك بعقولنا وأوقاتنا، من لم يتقن منا فنّ إغلاق الشاشة، سيظل تابعًا لقصص الآخرين، يستهلك حكاياتهم، ويتفاعل مع بطولاتهم الوهمية، بينما تؤجل قصته هو إلى إشعارٍ آخر.
رمضان يأتي كل عام مدرسةً في «الاستغناء».. استغناءٌ عن الطعام ساعاتٍ معدودات، لكنه في جوهره استغناءٌ عن الاعتياد، عن الإدمان، عن كل ما يسرق الروح من معناها.
والسيادة في هذا الشهر ليست لمن يتابع أكثر، ولا لمن يختم أكبر عدد من المسلسلات، بل لمن يملك القدرة على إغلاق الشاشة ليفتح آفاق عقله، ويستعيد صوته الداخلي الذي ضاع بين ضجيج المنصات.
غير أن المفارقة اللافتة أن شهر الصوم -الذي شُرع لتصفية الروح- يتحول كل عام إلى موسم استنفارٍ إعلامي وإنتاجي غير مسبوق، فتتكثف الحملات الدعائية، وتتنافس القنوات والمنصات على اجتذاب أكبر قدرٍ من الانتباه، تُضخ الميزانيات الهائلة لإنتاج عشرات المسلسلات والبرامج، وكأن المعركة الحقيقية ليست مع الجوع والعطش، بل مع “الريموت كنترول”.
السباق ليس نحو المعنى، بل نحو المشاهدة؛ ليس نحو الثمين، بل نحو الأكثر إثارةً للجدل، والأقدر على خطف البصر ولو على حساب البصيرة.
في هذا السياق، يُعاد تشكيل ذائقة الجمهور بعناية. تُصنع «حالة عامة» تُوحي بأن المتابعة جزءٌ من الطقوس، وأن من لا يشاهد يفوته شيءٌ عظيم.
وهكذا يُدفع الإنسان -من حيث لا يدري- إلى أن يكون «مستهلكًا مستسلمًا»، يتلقى، ويتفاعل، ويُعاد تشكيل وعيه وفق ما يُعرض عليه.
لكن الحقيقة أن كثيرًا مما يُقدّم في هذا الموسم – رغم وجود استثناءات محترمة – يغلب عليه الغثّ على الثمين.. مبالغات درامية، صراعات مفتعلة، تسطيح للقيم، وإغراق في تفاصيل تُشبع الفضول ولا تُنضج العقل.
إن الاستنفار الإعلامي ليس بريئًا؛ إنه قائم على اقتصاد الانتباه.. كل دقيقةٍ تقضيها أمام الشاشة هي ربحٌ لجهةٍ ما، وكل تفاعلٍ تمنحه هو طاقةٌ تُستثمر في سوقٍ لا ينام.
وبينما تزداد أرباح الصناعة، يتآكل في المقابل رصيد الإنسان من التركيز، ومن صفاء القلب، ومن القدرة على التأمل، نخرج من رمضان أحيانًا بجدول مشاهدة مكتمل، لكن بقلبٍ لم يكتمل صفاؤه، وبعقلٍ لم تُتح له فرصة الصمت الضرورية للنمو.
إغلاق الشاشة هنا لا يعني العداء للفن أو الإعلام، ولا الانسحاب من الواقع، بل يعني استعادة موقع القيادة، أن أختار أنا ماذا أشاهد، ومتى، ولماذا، أن أُخضع الشاشة لقيمي، لا أن أُخضع قيمي لما تعرضه الشاشة، أن أتعامل مع المحتوى بوصفه وسيلةً لا غاية، نافذةً لا قيدًا.
رمضان فرصةٌ لإعادة ترتيب العلاقة مع الزمن. “أيامًا معدودات”؛ عبارة قرآنية تختزل فلسفة كاملة في إدارة العمر.
إذا كان الشهر نفسه معدودًا، فكيف بساعاته؟ وكيف بلياليه؟ أليس أولى أن تُستثمر في بناء الداخل، لا في مطاردة حلقاتٍ تتشابه عناوينها ومضامينها وتختلف وجوه أبطالها؟
التحول من «المستهلك المستسلم» إلى «الإنسان المسؤول» يبدأ بقرارٍ بسيطٍ في ظاهره، عميقٍ في أثره:
أن أُطفئ الشاشة حين يجب أن تُطفأ، أن أستبدل ساعة مشاهدةٍ بساعة قراءة، أو مجلس ذكر، أو حوارٍ عائلي صادق، أو حتى صمتٍ واعٍ يعيد ترتيب الفوضى في الداخل.
ذلك القرار الصغير يعيد تشكيل الشخصية على المدى الطويل؛ لأنه يدرّب النفس على تأجيل اللذة، وعلى اختيار النافع ولو كان أقل بريقًا.
المستقبل لا يُبنى بعيونٍ جاحظةٍ أمام الشاشات، بل بنفوسٍ تعودت السمو والترفع، والأمم التي تملك القدرة على ضبط استهلاكها، هي الأقدر على إنتاج قيمها، لا مجرد استيراد صورٍ وأفكار.
فإذا كان الإعلام اليوم في حالة استنفارٍ ليشغلنا، فالأجدر أن نكون نحن في حالة استنفارٍ لنحمي وعينا، وإذا كان السوق يسعى لامتلاك انتباهنا، فالأولى أن نسعى لامتلاك أنفسنا.
إغلاق الشاشة ليس عزلة لأصحابها أو انقطاعًا عن العالم، بل اتصالٌ أعمق بالذات، وبالله، وبالمعنى.
ومن يتقن هذه المهارة في رمضان، يتعلم درسًا يتجاوز الشهر: أن قصته لن تُكتب إلا حين يتوقف قليلًا عن متابعة قصص الآخرين، ويبدأ هو في كتابة سطور حياته بيده.







