من أخطر ما يمكن أن تفعله أي تشريعات تتعلق بالأسرة أنها تتعامل مع البيوت باعتبارها ملفات قانونية باردة، بينما الحقيقة أن كل مادة تُكتب داخل قانون الأسرة يمكن أن تتحول لاحقًا إلى أزمة نفسية واجتماعية تمس ملايين الناس.
ولهذا تبدو المادة المقترحة باعتبار «الشبكة من قبيل الهدايا» واحدة من أكثر المواد إثارة للقلق داخل مشروع قانون الأسرة الجديد؛ لأنها لا تعالج أزمة قائمة، بل تصنع أزمات جديدة، وتفتح أبوابًا واسعة للنزاع والخصومات والتربص بين العائلات.
الشبكة في المجتمع المصري
الشبكة عند المصريين ليست مجرد «هدية عابرة» تُقدَّم في مناسبة اجتماعية، بل ارتبطت عرفًا وواقعًا باعتبارها جزءًا من مقدم الزواج، ورمزًا من رموز الجدية والالتزام وتحمل المسؤولية، بل إن كثيرًا من الأسر تبني اتفاقات الزواج كاملة على هذا الأساس منذ عقود طويلة.
وحين يأتي القانون ليقلب هذا التصور المستقر فجأة، فإنه لا يغير توصيفًا قانونيًا فقط، بل يهز توازنًا اجتماعيًا كاملًا.
الأخطر أن هذا المقترح يأتي في توقيت شديد الحساسية اقتصاديًا، مع الارتفاع الجنوني في أسعار الذهب، وتحول الشبكات في بعض الحالات إلى مبالغ ضخمة قد تتجاوز مئات الآلاف من الجنيهات، ما يعني أن أي خلاف زوجي مستقبلي سيتحول تلقائيًا إلى معركة مالية وقضائية مفتوحة.
وبدل أن يخفف القانون من النزاعات الأسرية، سيصبح سببًا مباشرًا في زيادة البلاغات والدعاوى والابتزاز المتبادل ومحاولات الانتقام القانوني بين الطرفين.
الخطورة الحقيقية
لا تكمن خطورة المقترح فقط في المادة نفسها، بل في الفلسفة التي تُدار بها بعض مناقشات قانون الأسرة مؤخرًا؛ حيث يشعر قطاع واسع من الناس أن هناك ميلًا واضحًا لصياغة مواد القانون بمنطق ردود الأفعال والانتصار لطرف على حساب طرف آخر، لا بمنطق الحفاظ على استقرار الأسرة نفسها.
فالأسرة لا تُبنى بالانتقام التشريعي، ولا تستقر بقوانين تُشعر الرجل أنه مستهدف، أو المرأة أنها في معركة دائمة، وإنما تستقر حين يشعر الطرفان أن القانون عادل ومتوازن ويحمي الجميع دون انحياز أو تصفية حسابات اجتماعية.
ولهذا فإن تمرير مواد بهذه الحساسية دون توافق مجتمعي حقيقي، ودون حوار واسع مع المؤسسات الدينية والقانونية والاجتماعية، ودون وضوح شرعي يحسم طبيعة الشبكة وأحكامها، سيجعل القانون نفسه محل صدام دائم داخل المجتمع.
فالقوانين الناجحة ليست تلك التي تُكتب داخل القاعات المغلقة، بل التي تستطيع النزول إلى الواقع دون أن تفجر البيوت.
تشريعات غير ملغومة
وإذا كانت الدولة تسعى فعلًا للحفاظ على تماسك الأسرة المصرية، فإن المطلوب اليوم ليس صناعة مواد قانونية ملغومة، بل البحث عن تشريعات تقلل الخصومات، وتمنع انهيار العلاقات، وتحافظ على ما تبقى من الثقة بين الناس.
لأن بعض القوانين إذا أُسيء تقدير آثارها، لا تنظم المجتمع، بل تدفعه ببطء نحو مزيد من التفكك، وتحوّل البيوت من مساحات للمودة والاستقرار إلى ساحات مفتوحة للشك والصراع والحسابات المادية الباردة.
فالأسرة لا يحميها قانون يشعر أحد طرفيها بأنه مشروع متهم دائم، ولا تشريعات تُبنى على ردود الفعل والانحيازات الاجتماعية، وإنما يحميها العدل، والتوازن، وإدراك أن أي مادة تُكتب بلا حكمة قد تترك خلفها آلاف القضايا وملايين القلوب المكسورة.
ولهذا فإن أخطر ما قد يحدث ليس مجرد خلاف حول «الشبكة» أو توصيفها القانوني، بل أن يفقد المجتمع تدريجيًا ثقته في عدالة التشريعات نفسها، وأن تتحول قوانين الأسرة من أدوات للإصلاح إلى أسباب جديدة للاحتقان والانقسام وتآكل الاستقرار الاجتماعي.
الزواج مشروع مخاطرة
حين يشعر الشباب أن الزواج أصبح مشروع مخاطرة قانونية مفتوحًا، وأن أي خلاف مستقبلي قد يتحول إلى نزيف مالي ونفسي لا نهاية له، فإن النتيجة الطبيعية لن تكون استقرار الأسر، بل مزيدًا من العزوف عن الزواج، واتساع الفجوة بين الرجال والنساء، وتراجع فكرة الأسرة ذاتها باعتبارها مساحة أمان وطمأنينة.
وحين تصل القوانين إلى مرحلة تُخيف الناس من تكوين البيوت بدل أن تشجعهم عليها، فهنا يجب أن يتوقف الجميع للمراجعة؛ لأن نجاح أي تشريع لا يُقاس بعدد المواد المكتوبة، بل بقدرته على حماية المجتمع من الانفجار الصامت الذي يبدأ بالتشكيك، ثم ينتهي بتفكك الثقة بين الناس والدولة والقانون.
فالمجتمعات لا تنهار فجأة، وإنما تتآكل تدريجيًا حين يشعر المواطن أن الأسرة ــ وهي آخر مساحة أمان نفسي واجتماعي ــ أصبحت مهددة بصراعات قانونية لا تنتهي، وبمواد ملتبسة تُفسَّر وفق الهوى والخصومة لا وفق روح العدل والاستقرار.
تشريعات متوازنة
الحكمة الحقيقية اليوم ليست في تمرير قوانين سريعة تحت ضغط الجدل، وإنما في بناء تشريعات متوازنة تُطمئن الناس، وتحفظ الحقوق دون أن تهدم المودة، وتمنع الظلم دون أن تزرع العداء بين الرجل والمرأة.
لأن أخطر ما قد تخسره أي دولة ليس مجرد زيادة نسب الطلاق، بل سقوط فكرة الأسرة نفسها من وجدان الأجيال الجديدة، وتحول الزواج من مشروع سكينة ورحمة واستقرار إلى مغامرة مرعبة مليئة بالحسابات والخوف وسوء الظن.
وحين يكبر الشباب وهم يرون أن القانون لا ينجح في احتواء النزاعات بل يضاعفها، وأن العلاقة بين الرجل والمرأة أصبحت ساحة صراع قانوني مفتوح، فإن النتيجة الطبيعية ستكون تراجع الرغبة في الزواج، وازدياد الفردية، واتساع مشاعر العداء المجتمعي بين الطرفين.
وهنا لا تكون الخسارة مجرد أرقام طلاق في الإحصاءات، بل خسارة المعنى نفسه؛ معنى البيت، ومعنى الأمان، ومعنى أن يجد الإنسان في أسرته ملاذًا لا معركة، ورحمة لا خصومة، واستقرارًا لا تهديدًا دائمًا بالخلاف والانهيار.
صورة الأسرة
عندما تهتز صورة الأسرة في وعي الأجيال الجديدة، يصبح المجتمع كله أكثر هشاشة واضطرابًا؛ لأن الأسرة ليست مجرد علاقة بين رجل وامرأة، بل هي المؤسسة الأولى التي يتعلم فيها الإنسان الثقة والانتماء والاحتواء وتحمل المسؤولية.
فإذا تحولت هذه المؤسسة إلى مساحة خوف قانوني وصراع نفسي دائم، فلن يتوقف الأثر عند حدود البيوت، بل سيمتد إلى أخلاق المجتمع، واستقراره، وقدرته على إنتاج أجيال سوية تؤمن بالحياة المشتركة لا بالحذر الدائم من الآخر.
ولهذا فإن أي قانون أسرة يجب أن يُكتب بعقل الدولة التي تريد الحفاظ على تماسك مجتمعها، لا بعقل المعارك المؤقتة أو الضغوط الإعلامية أو ردود الفعل الغاضبة.
لأن القوانين قد تنحاز لطرفًا ما في لحظة، لكن الحكمة وحدها هي التي تحمي المجتمع لسنوات طويلة، وتمنع أن تتحول العدالة إلى وقود جديد للصراع والكراهية وفقدان الثقة بين الناس.
فالتشريع الحقيقي لا يُبنى على الانتصار لفئة ضد أخرى، ولا على استرضاء ضجيج اللحظة، وإنما يُبنى على رؤية عميقة لطبيعة المجتمع وتوازنه النفسي والاجتماعي والديني، وعلى إدراك أن الأسرة إذا تصدعت فلن تنجح أي مؤسسات أخرى في تعويض خسارتها.
قلق شعبي
ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث اليوم هو الاستهانة بحجم القلق الشعبي المتصاعد تجاه بعض مواد قانون الأسرة، أو التعامل مع هذه المخاوف باعتبارها مجرد اعتراضات عاطفية عابرة، بينما الحقيقة أنها تعكس خوفًا حقيقيًا من مستقبل العلاقات الأسرية، ومن قوانين قد تزيد الاحتقان بدل أن تطفئه.
فالدولة القوية ليست التي تفرض القوانين فقط، بل التي تُقنع الناس بعدالتها قبل تطبيقها، وتجعل المجتمع يشعر أن التشريع جاء ليحمي استقراره لا ليزيد انقسامه، وليطفئ النزاعات لا ليخلق أشكالًا جديدة منها.
فالقانون حين يفقد روحه التوافقية، ويتحول إلى مادة جدل وقلق وخوف داخل البيوت، فإنه يفقد جزءًا كبيرًا من قدرته على صناعة الاستقرار، حتى وإن امتلك قوة الإلزام على الورق.
ولهذا فإن قوانين الأسرة تحديدًا تحتاج إلى قدر استثنائي من الحكمة والتوازن؛ لأنها لا تتعامل مع معاملات مالية أو نزاعات إدارية عابرة، بل تتعامل مع أكثر الملفات حساسية في المجتمع، كالعلاقات الإنسانية، والمودة، والثقة، وتكوين الأجيال.
المراجعة واجبة
ومن هنا تصبح مراجعة أي مقترح مثير للانقسام واجبًا وطنيًا لا تراجعًا سياسيًا؛ لأن التراجع عن خطأ محتمل يحمي المجتمع، أما الإصرار عليه فقد يفتح أبوابًا من الأزمات يصعب إغلاقها لاحقًا، خاصة حين يتعلق الأمر بالأسرة التي تمثل خط الدفاع الأخير عن تماسك المجتمع واستقراره النفسي والأخلاقي.
فالقوانين قد تُكتب في جلسات محدودة، لكن آثارها تمتد لسنوات طويلة داخل البيوت والمحاكم ووعي الأجيال القادمة، ولهذا فإن الحكمة تقتضي أن تُصاغ تشريعات الأسرة بروح الإصلاح الحقيقي، لا بمنطق المغالبة أو الاستجابة لضغط اللحظة.
وما يحتاجه الناس اليوم ليس قوانين تُشعر طرفًا بأنه انتصر على الطرف الآخر، بل قوانين تُعيد الثقة للعلاقة الزوجية، وتُطمئن الشباب المقبل على الزواج، وتُقنع المجتمع أن العدالة يمكن أن تتحقق دون أن تتحول البيوت إلى ساحات صراع دائم.
الأسرة أمن قومي اجتماعي
ولأن استقرار الأسرة ليس ملفًا هامشيًا، بل هو أمن قومي اجتماعي، فلا يحتمل المجتمع إلى التجارب المرتبكة أو الحسابات الضيقة أو التشريعات التي تُبنى بعيدًا عن نبض المجتمع الحقيقي.
فحين تضعف الأسرة، لا تتضرر علاقة زوج بزوجته فقط، بل تتأثر منظومة كاملة من القيم والانتماء والتوازن النفسي والتماسك الأخلاقي، وتبدأ آثار التفكك في الظهور تدريجيًا داخل المدارس والجامعات والشارع وسلوك الأجيال الجديدة.
ولهذا فإن أي قانون يمس الأسرة يجب أن يُوزَن بميزان شديد الدقة؛ لأن الخطأ فيه لا يُدفع ثمنه في قاعة محكمة فقط، بل قد يدفعه مجتمع كامل على مدار سنوات من الاحتقان وفقدان الثقة وتآكل الروابط الإنسانية.
وفي النهاية
إن المجتمعات لا تُقاس فقط بحجم الطرق والمباني والمشروعات، بل تُقاس أيضًا بقدرتها على حماية الأسرة من التفكك، وعلى صناعة قوانين تُعيد الطمأنينة إلى الناس لا القلق، وتُشجع على بناء البيوت لا الخوف منها.
ولهذا فإن مشروع قانون الأسرة يجب أن يكون مشروعًا لحماية الاستقرار المجتمعي، لا ساحة لتصفية الصراعات الاجتماعية أو تمرير مواد ملتبسة قد تُشعل أزمات أكبر مما تدّعي أنها تعالجها.
فالأسرة المصرية اليوم لا تحتاج مزيدًا من التوتر والخصومة، بل تحتاج قانونًا عادلًا متوازنًا يُنصف الجميع دون أن يهدم الثقة بين الرجل والمرأة، ويحفظ الحقوق دون أن يحول الزواج إلى معركة قانونية مؤجلة،
فالأوطان قد تتحمل أزمات اقتصادية وسياسية كثيرة، لكنها حين تخسر استقرار الأسرة، تبدأ بخسارة نفسها من الداخل.


