عندما يتعلق هوى الإنسان بقالب لا يستطيع الفكاك منه يكون قد سقط في العبودية التي استكنرها عدي بن حاتم عندما سمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يتلوا قوله تعالى: ((اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله)). فقال: يا رسول الله، إنا لسنا نعبدهم! فقال: (أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتحلونه؟!) فقال: بلى! قال: (فتلك عبادتهم).
وإذا كان وجد في اليهود والنصارى كأمم سابقة أمراض وظواهر تعبر عن انحراف التدين فإنه يقع مثله في هذه الأمة ففي الحديث أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر، وذراعا بذراع، حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه). فقالوا: يا رسول الله.. اليهود والنصارى؟ قال: (فمن؟!).
ومن ذلك هذا التقديس والتعظيم للحكام حدَّ إهدار أوامر الله تعالى، وأوامر رسوله صلى الله عليه وسلم، ونهج سلف الأمة من الصحابة والتابعين وتابعيهم، وحقوق الأمة المسلمة.
فما يصدر من التيار الجامي المدخلي من أقوال وفتاوى منحرفة تعبر عن كونهم أداة ومنديلا يتمندل بهم الطغاة، خصوصا وأنهم باتوا يساهمون في كل بلد في الفتن والفوضى والتمرد وحمل السلاح والقتل والقتال، حدَّ أنك لا تعرف من ولي أمرهم بعد أن باتوا يرتبطون بولاة خارجين على سلطات بلادهم وحكام لا يمتون لبلدهم وشعبهم بصلة!
فهم في ليبيا والسودان واليمن خوارج على السلطات الشرعية، متمردون عليها، مجندون لنصرة مليشيات متمردة، ولا يخفون صلتهم وميلوهم لحكام خارج بلدانهم ممن يتلقون منهم دعما ماليا، في حين أنهم لا يقرون بولاية السلطات الشرعية في بلدانهم!
والعجيب أنهم بدؤوا بالحديث عن التطبيع دون مشروة من ولاة الأمر في بلدانهم ولا استفتاء لشعبهم ولا مشورة لأهل العلم والرأي في أوطانهم.
هذه الفئة المارقة من الدين والأخلاق والعقل باتت اليوم تمارس القتال والقتل بعد أن كانت تدعي تجنب الفتن وانشغالها بالعلم والدعوة يوم أن كانت تواجه شعوبهم مخاطر محدقة بها وبأوطانها. اليوم يتلقفون الأموال من السلاطين ويحملون السلاح ويشهرونه في وجه أبناء شعوبهم وإخوانهم في الدين، ويغتالون ويحرضون ويسفكون دماء الأبرياء دون فتوى ممن يسمونهم كبار العلماء ولا قرار من ولي الأمر ولا حكم قضائي.
هؤلاء المجترؤون على الدم الحرام وعلى تدمير أوطانهم والقضاء على أحلام وآمال شعوبهم لديهم حساسية مرتفعة للدفاع عن ملك هناك وأمير هنا ورئيس في بلد ثالث حد تقديسه وتعظيمه والدعوة لعدم الخروج عليه وطاعته حتى إن ظهر في شاشات التلفاز يزني ويلوط ويشرب الخمر ويتعاطى الحشيش.. ويجدون لكل هذه المنكرات تأويلا واسعا في دعوى “طاعة ولي الأمر” لكنهم يرمون بالآيات والأحاديث ونصوص السلف في الإنكار والأمر بالمعروف وقول كلمة الحق، لا بل لا يجدون في كل نصوص القرآن والسنة والصحابة ما يجعلهم رحماء بشعوبهم وإخوانهم الذين يدمغونهم بالابتداع والتضليل والتفسيق لاجتهادات وخلافات في أمور يسع فيها الخلاف.
هؤلاء “عبدة الحكام”.. كما كان في اليهود والنصارى “عبدة العلماء”.. الذين يطيعونهم في كل ما أمروا به من سفك الدماء وتدمير الأوطان وتمزيق الشعوب.
الجامية والمداخلة هم قرامطة العصر الحديث الذين يسعون في الأرض فسادا لأجل أسيادهم المنحرفين الطغاة، ولو أمروا بنقض الكعبة لنقضوها حجرا حجرا طاعة لولي أمرهم ونعمتهم.


