“إيباك” هي اللجنة الأمريكية الإسرائيلية للشؤون العامة، وهي واحدة من أكثر مجموعات الضغط نفوذاً وتأثيراً في تاريخ السياسة الداخلية والخارجية للولايات المتحدة الأمريكية.
وعلى مدى عقود طويلة، استطاعت هذه المنظمة أن تتحكم بشكل كبير في قواعد اللعبة السياسية في واشنطن، محولةً الدعم الأمريكي لإسرائيل من مجرد ملف في السياسة الخارجية إلى قضية إجماع، أو ما يشبه الإجماع في الكونغرس بمجلسيه،
غير أن المشهد السياسي الأمريكي بدأ يشهد في السنوات الأخيرة تحولات هيكلية عميقة؛ حيث أخذت تتراجع حدود هذا النفوذ المالي والسياسي،
وظهرت تصدعات واضحة في قدرة المنظمة على حسم الاستحقاقات الانتخابية، لاسيما مع صعود موجة جديدة من السياسيين التقدميين الذين نجحوا في إعادة تشكيل القواعد الانتخابية وتجاوز الضغوط المالية الهائلة للوبيات التقليدية.
“إيباك” ونشأتها التاريخية
تُعرف منظمة “إيباك” بأنه لجنة ضغط سياسي غير حكومية تُعنى بتعزيز العلاقات الثنائية بين الولايات المتحدة وإسرائيل وضمان استمرار الدعم الأمريكي المطلق لتل أبيب على الأصعدة العسكرية، الاقتصادية، والدبلوماسية.
تأسست المنظمة عام 1954 تحت اسم “اللجنة الصهيونية الأمريكية للشؤون العامة” بمبادرة من “إشعياء كينين”، وكان الهدف الأساسي من إنشائها حينها موازنة الانتقادات الدولية والموقف الرسمي الأمريكي عقب بعض الحوادث الميدانية في فلسطين.
وفي عام 1959، تغير اسمها رسمياً إلى “اللجنة الأمريكية الإسرائيلية للشؤون العامة” لتستقر على صيغتها الحالية.
مع مرور العقود، وتحديداً منذ منتصف سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، تحولت “إيباك” من مجرد مكتب ضغط صغير بمدخلات مالية محدودة إلى جهاز مؤسسي ضخم يمتلك ميزانيات بملايين الدولارات وفروعاً إقليمية في مختلف الولايات.
وقد اعتمدت المنظمة استراتيجية البناء الشبكي عبر الارتباط بمراكز القرار، ومن خلال استقطاب النخب السياسية من كلا الحزبين: الديمقراطي والجمهوري.
الوظائف الرئيسية للمنظمة:
تتوزع وظائف “إيباك” وأدوارها في الحياة السياسية الأمريكية على عدة محاور استراتيجية:
ضمان المساعدات العسكرية والاقتصادية: تعمل المنظمة كقوة دفع رئيسية لتشريع حزم المساعدات السنوية المستمرة لإسرائيل في الكونغرس، والتي تقدر بمليارات الدولارات.
وتسعي إيباك إلى التأثير التشريعي وصياغة القرارات، فتسعي بشكل مباشر وأحيانا غير مباشر في صياغة مشروعات القوانين والقرارات الصادرة عن الكونغرس والمتعلقة بالشرق الأوسط، والضغط لفرض عقوبات على الدول أو الجهات المناوئة للسياسات الإسرائيلية.
ولا تغفل إيباك التأثير على الخطاب السياسي والإعلامي، فتسعى إلى تثبيت رؤية محددة لأمن المنطقة داخل أروقة التفكير والإعلام الأمريكي، وصياغة الإجماع الثنائي بين الحزبين حول أولوية حماية المصالح الإسرائيلية.
ومن مهام إيباك التى تحرص عليها التأهيل والتثقيف السياسي، فتُمول المنظمة عبر ذراعها التثقيفي (المؤسسة الأمريكية الإسرائيلية للتعليم) رحلات رسمية واستكشافية لأعضاء الكونغرس الجدد والسياسيين والقيادات الطلابية إلى إسرائيل، بهدف بناء روابط عقائدية وسياسية متينة معهم منذ بدايات مسيرتهم.
وتحرص المنظمة على العمل الجماهيري والاستقطاب، فهي تمتلك شبكات واسعة من الناشطين والمتبرعين في مختلف الولايات، مما يتيح لها التأثير على قاعدة واسعة من الجماهير، وتوجيه المراسلات والضغوط الشديدة على أعضاء الكونغرس من قِبَل قواعدهم الانتخابية.
دور “إيباك” في الانتخابات الأمريكية:
لعبت “إيباك” دوراً حاسماً في رسم الخارطة الانتخابية الأمريكية على مدى العقود الأربعة الماضية.
وعلى الرغم من أنها كانت تُصنف قانونياً لعقود كمنظمة ضغط لا تدعم المرشحين بشكل مباشر بالمال الانتخابي، إلا أنها كانت تنسق عمل شبكة واسعة من لجان العمل السياسي والمتبرعين الكبار لضمان تدفق الأموال إلى حملات المرشحين المؤيدين لتوجهاتها.
وفي أواخر عام 2021، أحدثت المنظمة تحولاً مفصلياً في استراتيجيتها عبر إطلاق لجنة عمل سياسي خاصة بها تُعرف بـ “مشروع الديمقراطية المتحدة” أتاح هذا التحول لـ “إيباك” ضخ عشرات الملايين من الدولارات بشكل مباشر في الانتخابات التمهيدية والعمومية.
تركزت استراتيجية المنظمة الانتخابية على نقطتين أساسيتين:
الأولى: مكافأة الحلفاء، بتوجيه التبرعات الضخمة لدعم المرشحين الذين يتبنون مواقف صارمة في تأييد إسرائيل.
والثانية: عقاب المعارضين، من خلال الاستهداف المبكر والقاسي للمرشحين الذين يتخذون مواقف نقدية تجاه السياسات الإسرائيلية أو يدعون إلى تقييد المساعدات العسكرية، وخاصة داخل الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي، عبر إغراق الدوائر الانتخابية بالإعلانات الهجومية الممولة بكثافة لإسقاطهم قبل وصولهم إلى الانتخابات العامة.
شواهد التراجع وزعزعة الهيمنة: صعود ممداني وعبد الرحمن السيد:
على الرغم من القوة المالية الهائلة لدي المنظمة، والتى ظهرت ساطعة في الدورات الانتخابية السابقة، إلا أن المشهد الانتخابي شهد تحولات غير مسبوقة كشفت عن تراجع قدرة “إيباك” على حسم المعارك السياسية وتحديد مخرجات الصندوق، وبدا ذلك بشكل واضح في محطات انتخابية بارزة كصعود زهران ممداني وفوز عبد الرحمن السيد.
1- ظاهرة زهران ممداني والتراجع الكبير لإيباك
كان نجاح زهران ممداني نقطة فارقة في المشهد السياسي لمدينة نيويورك؛ إذ خاض معاركه الانتخابية بفكر مستقل يعتمد على الانتشار الجماهيري بين الشباب، والطبقات الكادحة، مع إعلان مواقف صريحة ورافضة لسياسات اللوبي الإسرائيلي ولنفوذ الأموال المؤسسية في السياسة الأمريكية.
وأظهر صعود ممداني وتثبيت حضوره السياسي أن الاعتماد على التنظيم الميداني، والخطاب المباشر الملامس للقضايا الاقتصادية والاجتماعية للناخبين، قادر على تحييد الحملات الإعلانية الممولة من لجان العمل السياسي التابعة لـ “إيباك”، بينما لم يُعد نقد إسرائيل أو مواجهة الجماعات الموالية لها خطاً أحمر ينهي المسيرة السياسية للمرشح، بل تحول في بعض الدوائر إلى رمز للاستقلالية والنزاهة عن أموال المصالح الخاصة.
2- فوز عبد الرحمن السيد في ميتشجان: خسارة تاريخية لأضخم إنفاق إنتخابي
وجاءت المعركة الانتخابية التاريخية في ولاية ميتشجان، والتي حسمها الطبيب البارع عبد الرحمن السيد لتشكل الصدمة الأكبر لاستراتيجية “إيباك”.
فقد شهدت هذه الانتخابات إنفاقا مالياً قياسياً وغير مسبوق من قِبل اللجان المرتبطة بـ “إيباك”، حيث أُنفقت عشرات الملايين من الدولارات لدعم منافسته وسعيًا لدحر مرشح يقدم خطاباً نقدياً صريحاً تجاه السياسة الخارجية الأمريكية والدعم العسكري غير المشروط للاحتلال الإسرائيلي، وعلى الرغم من تفوق الجانب الآخر في حجم الإنفاق المالي بنسب هائلة، نجح عبد الرحمن السيد في تحقيق انتصار تاريخي.
تحمل هذه النتيجة دلالات سياسية عميقة من أبرزها:
تراجع فاعلية المال السياسي، فقد أثبتت المعركة أن ضخ عشرات الملايين من الدولارات لم يعد كافياً لشراء الصوت الانتخابي أو تشكيل وعي الناخبين إذا ما توفر تنظيم ميداني قوي وخطاب سياسي مقنع.
وأيضا تأطير قضية المساعدات، فنجح عبد الرحمن السيد ومعه تيار جماهيري عريض في إعادة تعريف قضية الدعم العسكري الخارجي، بربطها المباشر بأولويات المواطن الأمريكي ودافع الضرائب، متسائلين عن جدوى تقديم مليارات الدولارات للخارج في وقت تعاني فيه البنية التحتية والخدمات الصحية داخل الولايات المتحدة من تراجع كبير.
وظهر جليا التحول الديمغرافي الكبير، إذ كشفت الانتخابات عن عمق الفجوة داخل القاعدة الانتخابية للحزب الديمقراطي، حيث يميل الناخبون الشباب والأقليات بشكل متزايد إلى رفض التوجهات التقليدية للمنظمة والبحث عن سياسات أكثر اتساقاً مع مفاهيم العدالة الاجتماعية والحقوقية الدولية.
العوامل المؤثرة في تراجع نفوذ “إيباك” الانتخابي
يمكن إرجاع التراجع المحسوس في قدرة “إيباك” على فرض إرادتها المطلقة إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، ومن أهمها:
انكشاف استراتيجية الإنفاق العابر للأحزاب: أدى لجوء “إيباك” إلى قبول تمويلات من كبار المتبرعين المحافظين والجمهوريين لتصفية الحسابات داخل الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي إلى إثارة غضب القواعد الديمقراطية، التي باتت ترى في المنظمة أداة لخدمة أهداف المحافظين وتخريب الخيارات الداخلية للحزب.
وتغير الرأي العام الأمريكي: أظهرت الاستطلاعات المتتابعة تحولاً ملموساً في أوساط القواعد الديمقراطية والناخبين المستقلين نحو موقف أكثر توازناً ونقداً للسياسات الإسرائيلية، مما جعل الخطاب التقليدي لـ “إيباك” يبدو منفصلاً عن واقع التحولات المجتمعية.
وقوة البدائل الشبابية والشبكات الاجتماعية: أتاحت وسائل التواصل الاجتماعي والتمويل الجماعي الصغير للمرشحين التقدميين جمع مبالغ مالية محترمة والتواصل المباشر مع الناخبين دون الحاجة للارتهان لكبار المتبرعين أو الخضوع لشروط لجان العمل السياسي الكبرى.
وتآكل الإجماع الثنائي: استقطاب السياسة الأمريكية تحول إلى معضلة لـ “إيباك”؛ إذ أدى انحيازها في كثير من الملفات إلى مواقف اليمين إلى إضعاف موقعها التاريخي كمنظمة تحظى بـ “إجماع الحزبين”، مما جعلها طرفاً نزاعياً داخل الصراعات الحزبية الداخلية.
خاتمة
“إيباك” بلا شك إحدى القوى السياسية النافذة في واشنطن، لما تمتلكه من تراكم مؤسسي وشبكات علاقات واسعة في مؤسسات الحكم الأمريكية.
إلا أن الانتخابات الأخيرة، وما شهدته من انتصارات لافتة لرموز التيار التقدمي مثل زهران ممداني وعبد الرحمن السيد، بدت مرحلة جديدة في التاريخ السياسي الأمريكي، لقد أثبتت هذه الاستحقاقات أن الهيمنة المطلقة للمال السياسي ولجان الضغط التقليدية لم تعد قادرة على شل إرادة الناخبين أو منع صعود أصوات نقدية داخل الكونغرس والمؤسسات السياسية،
وبدا واضحا أن الانكسارات المتتالية لـ “إيباك” أمام الجماهير العريضة، تؤشر إلى بداية تآكل المعادلة التقليدية التي حكمت السياسة الأمريكية لسنوات طويلة، مما يفتح الباب أمام السياسات التقدمية والأفكار الحرة للتقدم نحو بناء مجتمع أمريكي وربما عالمي جديد.


