حين تخوض لجج القراءة عن الاستشراق، ستصادفك عشرات، ومئات الأسماء من الرجال المهتمين بدراسة الشرق: لغاته أديانه ومذاهبه وتاريخه وجغرافيته وتقاليده وعوائده وأجناسه وأعراقه، حتى إنني في وقت ما ظننت المستشرقات من النساء لا يزدن على أصابع اليدين على الأكثر، نظرًا لندرة الدراسات العربية عنهن؛ حتى إن موسوعة د. أحمد أبو زيد؛ على ضخامتها، (خلت من أي حديث عن المستشرقات، ما عدا ثلاث ترجمات: إحداهن للروسية المتخصصة بتاريخ الشرق الأوسط بيجولفسكايا (1894-1970م)، وثانيتهن: الفرنسية المتخصصة في الفلسفة الإسلامية جواشون (1894-1977م)، والثالثة الأخرى: الإيطالية المتخصصة في الأدب العربي ماريا نلينو (1908-1974م))، والثلاث من القرن العشرين، ومُتن في سبعينياته.
وأخذت أنبش لأجد عددًا لا بأس به ممن قد عملن بجد، مستقلات، أو بتوجيه كبار المستشرقين منذ أواخر القرن التاسع عشر، ثم وجدت جملة من الشابات المهتمات والمتخصصات في أيامنا هذه، ووجدت منهن أقسامًا:
فمنهن منصفات في استشراقهن، أكثر من كثير من الرجال!
ومنهن من أسلمت أثناء تنقيبها العلمي!
ومنهن من تشيعت؛ بسبب اتجاه تنقيبها العلمي!
ومنهن صهيونيات يعملن وفق أجندة سياسية!
ومنهن عدوات للإسلام ذوات لدد، وتربص! وهكذا!
وعجبت من أن إحداهن تتقن اثنتي عشرة لغة، وإحداهن تتقن تسعًا، وأقلهن من تتقن ثلاث أو أربع لغات!
وأبرز من كتب في هذا الموضوع: أ. د. أحمد أبو زيد الذي طبعت له (المنظمة الإسلامية للتربية والثقافة والعلوم؛ إيسيسكو، في مطلع العام 2018، كتابه: الاستشراق النسائي: قصة حضارة في عيون غربية منصفة!
كما كتبت الدكتورة سميرة بنت عبد الله دبيس القحطاني رسالتها للدكتوراة عن المواقف المنصفة حول الإسلام عند المستشرقات المعاصرات: زيجريد هونكه، وآن ماري شيمل، ولاورا فاغليري، وكارين آرمسترونج: دراسة عقدية؛ بإشراف أ.د. سليمان بن محمد السدلان!
وفي مقال له عن الاستشراق النسوي: قراءة الإسلام بأعين مغمضة، نشر أ. شريف عكاشة في المنتدى العالمية للوسطية قراءة لأعمال ثلاث مستشرقات (متطرفات) في الحكم على الإسلام، بشكل تحريضي، وعبارات استفزازية عنيفة، جاء فيه:
وفي الفترة بين عام 2001 و2003
ظهرت ثلاثة كتب في الغرب، لثلاث كاتبات يمكن أن يوصفن بأنهن يمثلن الجناح النسوي في “حركة” صدام الحضارات بعد 11 سبتمبر. وقد حققت هذه الكتب الثلاثة مبيعات هائلة في أمريكا وأوروبا، وقوبلت بحفاوة شديدة من جانب النقاد.
الحنق والغرور
وأول هذه الكتب كتاب “الحنق والغرور” للصحفية الإيطالية أوريانا فالاتشي، الذي تقول فيه إن جذور الإسلام البدوية، وما يرزح فيه العالم الإسلامي من فقر؛ نتيجة القيود المفروضة على عمل المرأة، ورغبة الأصوليين في عزل الإسلام عن العالم المتحضر كل ذلك يمثل خطرًا على الحضارة الغربية، وقيمها الداعمة لحرية المرأة وحقوق الإنسان!
تيار معاداة السامية الجديد
والكتاب الثاني: يحمل عنوان “تيار معاداة السامية الجديد” من تأليف الناشطة النسائية الأمريكية فيليس تشيسلر التي ترى في الهجمات التي شنها (الأصوليون الإسلاميون) على برجي مركز التجارة العالمي في الحادي عشر من سبتمبر هجومًا مباشرًا على إسرائيل ذاتها نظرًا؛ لأن الأمريكيين والإسرائيليين في رأيها يحملون قيمًا حضارية مشتركة، تناقض القيم الإسلامية، التي تجد جذورها فيما قبل الحداثة، ولا تؤمن بالديموقراطية وحرية المرأة!
ولا ترى الصراع العربي الإسرائيلي صراعًا على الأرض بقدر ما هو صراع ثقافي بين قيم التخلف(!) وقيم التقدم التي تشمل احترام حقوق الإنسان، ومن بينها حقوق المرأة؛ حيث تعد إسرائيل في نظرها هي الممثل الوحيد لهذه القيم في الشرق الأوسط(!).
مشكلة الإسلام اليوم
أما الكتاب الثالث: فهو للإعلامية الكندية مسلمة الأصل إرشاد منجي، بعنوان “مشكلة الإسلام اليوم” ويعد نموذجًا مشخصنًا للصراع المصطنع بين الإسلام والغرب في الفكر النسوي الغربي المعاصر. وفيه توجه كاتبته المسلمة خطابها إلى “أخواتها في الدين”. وتتحدث منجي في بدايته عن نشأتها في أوغندا، في بيئة إفريقية مسلمة، وكيف شهدت فرار أسرتها من اضطهاد نظام عيدي أمين إلى منطقة أخرى تقع تحت سيطرة الإنجليز نعمت فيها بقيم الديموقراطية والحرية!
وتحكي أن والدها كان يعاملها بقسوة شديدة، وكان يعامل خادمه بنفس القسوة؛ بينما كانت ترى الإنجليز المستعمرين يعاملون أسرتها معاملة كريمة، وتذكر أن شأن أسرتها قد ارتفع ماليًّا واجتماعيًّا نتيجة مؤازرة الإنجليز لهم!
وعلى ذلك، فإنها ترى الاستعمار رمزًا للتحضر وتقول: إن على المرأة العربية – بدلًا من أن تنظر للاحتلال الإسرائيلي على أنه رمز للاستعباد – أن تتوجه بناظريها إلى استعباد الرجل الشرقي لجسدها؛ مقارنة بالمرأة الإسرائيلية التي تمثل قيم التحرر والاستقلال النسوي، كما لا ينبغي-في رأيها- تحميل إسرائيل تبعة ما يعانيه الفلسطينيون من فقر وإنما تحميل العرب أنفسهم هذه التبعة!
وكانت نقطة الانطلاق مقالًا مدويًّا كتبه رونالد إنجيلهارت وبيبا نوريس في مجلة “السياسة الخارجية” الأمريكية جاء فيه أن السبب الرئيسي لتراجع قيم الحرية والمساواة في الشرق الإسلامي هو تراجع قيمة المساواة بين الجنسين؛ حيث يتمثل هذا التراجع -في رأيهما- في الهيمنة الذكورية على المجتمع، وأنماط الزواج التقليدية، وأشكال التمييز المختلفة، التي يريانها لا تقتصر فقط على المجتمعات البدوية؛ بل تمتد إلى أرفع الطبقات في المجتمعات الإسلامية.
وفي مقابل هذه النظرات (المتطرفة العنيفة) في النظر للإسلام قدم الدكتور أحمد أبو زيد – كما كتبت ميدل إيست أونلاين – نماذج من الدراسات الاستشراقية التي تعاملت مع الإسلام بوصفه آخر وليس عدوًا، وكانت منصفة في تعاملها معه فاختلفت عن النظرة الشائعة التي تهدف إلى التشويه، مبرزًا جهود تسع من المستشرقات من أوروبا وأميركا وروسيا ممن أنصفوا الإسلام وحضارته، وهؤلاء المستشرقات المنصفات سجلن في دراساتهن شهادة إنصاف لهذه الحضارة العالمية، وضمت المكتبات العالمية عشرات الكتب التي ألفنها بعدد كبير من لغات العالم، لتكون دليلا صريحا على عظمة هذا الدين العالمي الصالح لكل زمان ومكان!
ولقد قدمهن دون تصنيف؛ كأن كل واحدة منهن اختطت لنفسها طريقًا نابعًا من نظرتها الشخصية دون أثر لبيئة ثقافية وبحثية خرجت منها.
وقد اختار ثلاثًا من المدرسة الألمانية:
أنا ماري شميل، عميدة الاستشراق الألماني، والسفيرة الرفيعة بين الإسلام والغرب، (كانت تجيد اللغة العربية إلى جانب إحدى عشر لغة أخرى، ونالت ثلاث شهادات دكتوراه) وزيجريد هونكه (مؤمنة آل فرعون) وكريستيانا باولوس: نموذج للمستشرق الغربي المعتدل، التي لم تؤمن بالإسلام عقيدة، لكنها رأت فيه مشروعًا إنسانيًّا وحضاريًّا يضيف جديدًا إلى الحضارات الإنسانية!
ثم القسيسة البريطانية كارين آرمسترونج المتخصصة في علم الأديان المقارن، والتي تعد من أكثر المستشرقين الذين كتبوا عن سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم إنصافًا، والتي أكدت أن الإسلام دين السلم والتسامح، ونفت عن الرسول الأكاذيب التي نسجها المتعصبون العنصريون في الغرب أمثال المستشرق الصهيوني برنارد لويس ومارتين كرامر وغيرهم.
ثم لثلاث مستشرقات إيطاليات: أولاهن لاورا فيشيا فاغليري التي تصدت للأكاذيب والمغالطات التي تثار حول الإسلام، وأكدت على التسامح وحرية المعتقد اللذين سادا الحضارة الإسلامية!
وريتا دي ميليو التي أكدت أن الإسلام هو الدين الذي أنصف المرأة حيث جاء بأحكام رفعت شأن بمقارنة بوضعها في العصر الجاهلي وفي المجتمعات غير العربية؛ وأن الإسلام كان وما يزال متوازنًا في علاقته بالمسيحية والدليل على ذلك أن وضع المسيح وأمه مريم في قلب الإسلام، والاحترام الذي يكنه المسلمون لهما، من أهم مفاتيح فهم الدين الإسلامي، وترسيخ مبادئ الحوار الكريم مع الثقافات الأخرى!
وإيزابيلا كامبرا التي عرفت القارئ الإيطالي بالأدب العربي عبر ترجماتها ودراساتها. وهو نفس الدور الذي قامت به الروسية فاليريا كيربتنشنكو. (خدمة وكالة الصحافة العربية).
الاستشراق النسوي
وتحدث شريف عكاشة في (الاستشراق النسوي: قراءة الإسلام بأعين مغمضة) في كلامه عن الاستشراق النسوي: الثقافي، والمستشرقة اليهودية دوروثو ميتليسكي فلينكنشتاين التي كتبت نقدًا لرواية ميلفايل “موبي ديك” تحلل فيه شخصية فداله حيث تقرأ اسمه على أنه فدالله أي فداء الله، وتربط بين هذه القراءة وفكرة الفداء التي كانت تتبناها فرقة الحشاشين؛ التي تنتمي إلى طائفة الشيعة الإسماعيلية، وتقول فلينكنشتاين في نقدها أن شخصية فداء الله تمثل عنصر الشر في الرواية بسبب تحريضه أهاب على مطاردة الحوت وبالتالي فهو مسؤول عن مأساته؛ ليرمز فداء الله إلى العنف والإرهاب.
وفي إطار حديثه عن المدرسة التاريخية تكلم عن المستشرقة الدانماركية المعاصرة باتريشا كرون التي كتبت مقالًا نشر بموقع “أوبن ديموكراسي” تحلل فيه مفهوم “لا إكراه في الدين” في الإسلام من منظور تاريخي تأويلي؛ مجتهدة أن تثبت أن الإسلام -على مستوى النص الديني والممارسة الواقعية- لم يعرف مبدأ الحرية الدينية.
وفي إطار الاستشراق النسوي:
المضاد، أشار إلى أن عدد النساء اللائي اعتنقن الإسلام في أمريكا وأوروبا قد تضاعف منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر بنسبة واحد إلى ثلاثة؛ مقارنة بعدد الرجال.
ورأى أن الجانب الصوفي في الإسلام، قد جذب المرأة الأمريكية؛ بينما المرأة الأوروبية، والألمانية بصفة خاصة قد جذبها الجانب الاجتماعي والأسري! مؤكدًا ذلك بما أوردته الباحثة الألمانية “جابريال هوفمان” في دراسة لها من أن المرأة الألمانية تجد نفسها وقد نشأت وترعرعت وسط قيم الفردية والاستقلال الشخصي، فإذا ما تزوجت وأنجبت فإنها تكتشف أن هذه القيم لم تعد صالحة لها في ظل الواقع الأسري الجديد، وحينما تقرر ترك العمل والتفرغ لرعاية أسرتها فإنها تشعر بمزيد من الاغتراب عن المجتمع القائم على الفردية والذي يقدس عمل المرأة، وينظر بعين الازدراء للمرأة التي لا تعمل! ولذا فإنها تجد في القيم الإسلامية ملاذًا يساعدها على الخروج من هذه العزلة؛ إذ تدعم مؤسسة الأسرة وتقدم نموذجًا واضحًا ومقبولًا للفصل بين الأدوار الاجتماعية للرجل والمرأة التي يعلي الإسلام من شأن دورها كأم ويجعل هذا الدور مضاهيًا في الأهمية لعمل المرأة في الحضارة الغربية.
أما النساء الهولنديات والإسكندنافيات، فتقول “هوفمان” إن السبب الرئيسي لإقبالهن على الإسلام يتمثل في أنهن قد وجدن فيه المعنى الحقيقي للمساواة بين الرجل والمرأة والذي يتمثل في المساواة في الفرص وليس في الطبيعة.
المفهوم الإسلامي عن المساواة من شأنه أن يجرد الرجل الأوروبي من سلطته على المرأة؛ كرأسمالي يحتاج إلى عملها في مرحلة الإنتاج، وكمسوق يحتاج إلى تسليع جسدها كدعاية لتصريف منتجاته.
ويتحدث عكاشة في طرحه عن كتب عديدة ظهرت في السنوات الأخيرة لكتاب وكاتبات غربيات تمثل رد فعل عكسي للخطاب النسوي ذكر منها نموذجين:
النموذج الأول:
في كتاب عالمة الاجتماع الأمريكية “ميدا يجينوجلو” عن “الأوهام الكولونيالية: قراءة نسوية للاستشراق”، التي ترى أن جذور رؤية الغرب للمرأة الشرقية؛ كما يعكسها خطاب صدام الحضارات، ترجع إلى الأفكار “التنويرية” الأوروبية مع بداية القرن الثامن عشر، وتدعو إلى الشفافية الثقافية والمعرفية المطلقة، لذا فقد مثّل حجاب المرأة الجزائرية مثلًا تحديًا لهذا الفكر للمستعمر الفرنسي ليحاول دائمًا استكشاف جوانب هذه المرأة، من خلال نزع هذا الحجاب، الذي يحول بينه وبين معرفة جوهرها!
والنموذج الثاني:
نجده في بحث لشيرين رزاق، أستاذة العلوم السياسية في جامعة تورنتو بكندا، ترى فيه أنه في ظل هذا الفكر تصبح المرأة الشرقية والمسلمة هي” الآخر المجرد من القيمة” بالنسبة للمرأة الغربية؛ لذا يتعين على الأخيرة القيام بمهمة إعادة صياغة الأولى قيميًّا، وتحضيرها وتهذيبها؛ تمهيدًا لتجريدها من هويتها والسير على الدرب الموصل للهيمنة الثقافية الغربية، ومنها إلى الهيمنة الجيوسياسية والعسكرية!


