الكتاتيب مؤسّسة تعليمية أوّلِيَّة تخرَّج في جنباتها كثيرٌ من الأجيال الذين حفظوا القرآن الكريم،وتعلَّموا قواعد القراءة والكتابة، وتربَّوا على المبادئ والأخلاق الحميدة، ثم أصبحوا بعد ذلك قادة، ومنابر، وأصحاب فكر في المجتمع، يُشار إليهم بالبنان في قراءة القرآن بجميع رواياته، وفي مجالات العلوم المختلفة .
ويرجع للكتاتيب المصرية الفضل فى الحفاظ على اللغة العربية فى مصر إبان فترة الاحتلال البريطانى (١٨٨٢- ١٩٥٤)، فكانت الكتاتيب حافظة لهوية مصر العربية وسبباً لاعتزاز المصريين -حتى يومنا هذا- بعدم تأثر لغتهم العربية بلغة المحتل الأجنبي .
كانت الكتاتيب فى مصر تقام فى مبانى متصلة بالمساجد أو مبانى مستقلة، أو فى بيوت معلمى الكتاتيب أنفسهم أو أمامها، حيث كان المعلم يجلس على كرسى أو مصطبة مرتفعة عن الأرض، أما التلاميذ فكانوا يجلسون أمامه على الأرض المفروشة بالحصير، وهذا ما ساد فى القرى المصرية بالأخص .
كانت الكتاتيب المصرية دائماً مصنع العظماء من رجال الدين والأدب والشعر وكبار المفكرين والعلماء، لذا اعتمد محمد على باشا والى مصر على خريجى الكتاتيب فى تأسيس المعاهد الأزهرية وحقق من خلالهم نهضة تعليمية شاملة، ومن أبرز خريجى الكتاتيب المصرية الرئيس السابق محمد أنور السادات،والمفكر والمترجم: رفاعة الطهطاوى ، ورائد الثقافة الحديثة في مصر وعميد الأدب العربي: طه حسين، الذي صورت روايته «الأيام» ما يدور في «الكتاتيب» في عصره، والعقاد، والشيخ: عبد الباسط عبدالصمد ، وغيرهم من الأئمة والعلماء الأفاضل الذين ملؤا الدنيا بنورهم .
لكننا في الآونة الأخيرة رأينا هجوما ضاريا على الكتاتيب وعلى وزارة الأوقاف بمجرد أن أعلن وزير الأوقاف عن عودة الكتاتيب لحفظ القرآن الكريم ومعرفة معانيه والتعرف على أصول الدين الإسلامي من خلال المنهج الوسطى الأزهرى على أيدى نخبة مختارة من المحفظين،واستقطاب النشأ وتحصينهم، ضمن المبادرة الرئاسية “بداية جديدة لبناء الإنسان”.
قامت قيامة العلمانيين المتربصين بالدين محاولين تصوير الأمر بأنه ردة وعودة إلى الرجعية والتخلف.
إنها ردة حضارية وعودة مصر إلى القرون الوسطى.
أسلوب جديد يمتاز بما يأتي:
*الخداع: من خلال واحد من أبناء جلدتك ووطنك ، بل ودينك، يداهمك بدون شعور منك، من خلال مقال جذاب، أو كتاب بغلاف براق، أو برنامج إذاعى أو تلفزيونى.
*الخطورة: فغزو هؤلاء أخطر بكثير من الغزو العسكري ، لأنه عميق التأثير فى الأفراد بلا تعب ولا مجهود، إذ يمتد تأثيره عشرات بل مئات السنين أحيانا.
*البساطة: غزو سهل وبسيط وأقل كلفة من أى غزو.
إن المسلمين اليوم يعيشون معركة الغزو بين الأفكار والقيم الإسلامية ، وبين الأفكار والقيم العلمانية.
معركة تقرر مصير المسلم إما أن يكون أو لا يكون ،إما أن يحافظ على عقيدته ودينه وقيمه وأخلاقه وعاداته وتقاليده، وإما أن يضيع إلى الأبد مع الانصهار في بوتقة الثقافة الغربية ﴿ صِبْغَةَ اللَّهِ ۖ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً ۖ وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾
[ سورة البقرة: ١٣٨]
للهم احفظ مصر وأهلها من كل سوء وشر يارب العالمين




