نِعم الله علينا لا تُحصى ولا تُعد. ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النحل: ١٨]
وإن من أجلّ نعم الله علينا: حب الوطن. ربما يردد البعض بين الحين والحين: تحدثونا عن الوطن.. الوطن… الوطن…
كم سمعنا كثيرًا عن الوطن.
الوطن والتضحية.
الوطن والتنمية.
الوطن والشهادة.
الوطن ومرافق الدولة.
نعم، كثيرًا ما نتحدث عن الوطن، فالحديث عن الوطن متشعب يستدعي بعضه بعضًا، ونحن لن نملّ من الحديث عن وطننا الذي نحبه.
لا قيمة لنا ولا وزن لنا من غير وطننا.
بلادي وإن جارت عليَّ عزيزة
وأهلي وإن ضنّوا عليَّ كرام.
حب الوطن حنين يزلزل المكامن، وشوق يلهب المشاعر.
حب الوطن شيء لا يمكن وصفه، أطلق قرائح الشعراء، وأسال محابر الأدباء، وأبكى عيون الأوفياء.
إنه الحب الذي لم تخلُ منه مشاعر الأنبياء والصحابة والصالحين.
حب الوطن فطرة إنسانية.
إذا أردت أن تعرف من هو الرجل، فانظر كيف حنينه إلى أوطانه، وتشوقه إلى إخوانه.
حب الوطن اقترن بحب النفس في كتاب الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِن دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِّنْهُمْ﴾ [النساء: ٦٦].
وقال سبحانه: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: ٨].
حُبّ الإنسان لوطنه إنما هو تحقيقٌ لمعنى الاستخلاف الذي قال فيه سبحانه وتعالى: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾. فقد دعا الإسلام إلى فعل كل ما يقوّي الروابط والصلات بين أبناء الوطن الواحد، ثم بين أبناء الأمة، ثم بين بني الإنسان.
قلت: لو أساء إليك والدك فسيبقى والدًا لك، وإن عقّك ابنك فسيبقى بضعة منك، وهكذا الحال مع الوطن.
حب الوطن ليس شعارات فارغة.
حب الوطن ليس احتفالات باهتة.
حب الوطن ليس مقالات أو كتابات.
حب الوطن ليس كلمات أو أشعارًا.
حب الوطن ليس ألوانًا أو أعلامًا أو أوشحة أو أقواسًا.
حب الوطن ليس رسمًا أو صورة.
أين أصحاب الشعارات الذين يتغنون باسم الوطن ويدّعون خدمته والعمل لصالحه لتحقيق أهداف ومصالح لا تمتّ إلى الوطن بصلة؟ تتمثل في خدمة جشعهم ومطامعهم التي لا حدود لها، وأصبحنا في مجتمع لا يهمه الجائع إلا إذا كان ناخبًا، ولا يهمه العاري إلا إذا كانت امرأة.
حب الوطن شعور وإحساس، حب وانتماء.
وها هو رسولنا صلى الله عليه وسلم، كما في صحيح البخاري: لما أخبر ورقةُ بن نوفل رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أن قومه -وهم قريش- مخرجوه من مكة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أوَمخرجيَّ هم؟” قال: “نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا”.
من هنا نعلم هذه اللفتة الطيبة، وهي أن النعم لا تحابي البقاع، وإنما تتبع شاكريها، فمحمد صلى الله عليه وسلم هو أعظم النعم. لما كفر به أهل مكة نقله الله إلى المدينة.
قال السهيلي رحمه الله: يُؤخذ منه شدّة مفارقة الوطن على النفس؛ فإنه صلى الله عليه وسلم سمع قول ورقة أنهم يؤذونه ويكذبونه فلم يظهر منه انزعاج لذلك، فلما ذكر له الإخراج تحرّكت نفسه لحب الوطن وإلفه، فقال: “أوَمخرجيَّ هم؟”.
الوطنية أرض وسماء، أمن وأمان.
رُوي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمكة: “ما أطيبك من بلد وأحبك إليَّ، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك”. رواه الترمذي.
قالها بلهجة حزينة مليئة أسفًا وحنينًا وحسرة وشوقًا، مخاطبًا إياها: “ما أطيبكِ من بلد”.
ولولا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم -وهو معلّم البشرية- يحب وطنه لما قال هذا القول، الذي لو أدرك كل إنسان مسلم معناه لرأينا حب الوطن يتجلى في أجمل صورة وأصدق معانيه، ولأصبح الوطن لفظًا تحبه القلوب، وتهواه الأفئدة، وتتحرك لذكره المشاعر.
من يحب الوطن يحافظ عليه من العبث أو اللعب أو السرقة أو الخيانة أو ذكره بسوء، أو أن يطلق الأكاذيب عليه.
من يحب وطنه يتقدم به إلى الأمام، لا أن يعود به إلى الوراء.
من يحب وطنه يدافع عنه، والدفاع عنه يكون بالتضحية من أجله، والبذل والعطاء له ليل نهار.
فأين نحن من حبنا لوطننا وتضحياتنا لوطننا؟
كلٌّ منا لديه ما يقدمه لوطنه:
العامل في مصنعه.
المدرس مع تلاميذه.
المدير مع موظفيه.
الداعية إلى الله مع من يدعوهم.
كلٌّ في موقع مهمته ومسؤوليته له دور ومسؤولية.
أخلصوا لوطنكم بحجم مسؤوليتكم. كلّكم راعٍ، وكلّكم مسؤول عن رعيته، فالأمير الذي على الناس راعٍ عليهم وهو مسؤول عنهم، والرجل راعٍ على أهل بيته وهو مسؤول عنهم، والمرأة راعية على بيت بعلها وولده وهي مسؤولة عنهم، وعبد الرجل راعٍ على بيت سيده وهو مسؤول عنه. ألا فكلّكم راعٍ، وكلّكم مسؤول عن رعيته. البخاري.
حب الوطن بالمحافظة على المال العام، فالحفاظ على المال العام واجب وطني وديني في كل أمة من الأمم، وفي كل مجتمع من المجتمعات، لأنه ليس ملكًا لفرد أو لأحد، وإنما ملك للمجتمع كله.
لذا فالتفريط فيه أو العدوان عليه من أكبر الأخطار والجرائم.
ولأهميته كان الرسول صلى الله عليه وسلم يأمر بالمحافظة عليه ويطبّق هذا عمليًا على نفسه أولًا صلى الله عليه وسلم، وعلى صحابته من بعده ثانيًا.
وكان صلى الله عليه وسلم يطلق عليه اسم: “مال الله”.
وكان يحذر من عقوبة التعدي عليه، كما في الحديث الذي ترويه خولة الأنصارية زوجة حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنهم جميعًا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إن الدنيا خضرة حلوة، وإن رجالًا يتخوّضون في مال الله ورسوله بغير حق، لهم النار يوم القيامة”. رواه الترمذي.
فالجميع يعلم ما تبذله الدولة في سبيل توفير المرافق العامة بهذا المال العام من طرق وجسور وموانئ، وقناطر، وحدائق عامة، ومتنزهات، ومدارس، وجامعات، ونوادٍ ومواصلات، وكذلك مرافق خدمات للمواطنين من مشروعات البنية الأساسية للمجتمع مثل: المياه والكهرباء، والاتصالات والانتقالات، والصرف الصحي، والمستشفيات، ودور العبادة، وكذلك البحار والأنهار ومصافي المياه، والترع والقنوات وغيرها.
لكن وللأسف نجد البعض لا يحافظ على هذه الممتلكات التي تعتبر ملكًا للجميع.
فنجد المدارس بها تحطيم للمقاعد، وكتابة على الحوائط، ولصق الإعلانات على أسوارها أو كتابتها.
ونجد أن المواصلات العامة لا يهتم بها الراكب كما يهتم أحدنا بسيارته الخاصة، وهناك من يكسرون زجاج القطارات أو أبوابها ونوافذها. بل نجد مقاعدها قد تحطمت وأُتلفت، والجميع مسؤول عنها، بداية من الذي يستخدمها أو من يرى من يتلفها ولا ينهاه عن ذلك.
حب الوطن بالاتحاد وعدم التفرّق.
قديما قالوا: إذا اجتمع خمسة صينيين كتبوا حكمة، وإذا اجتمع خمسة يابانيين اخترعوا آلة، وإذا اجتمع خمسة أمريكان تآمروا على العرب، وإذا اجتمع خمسة فرنسيين ألّفوا كتابًا، أما إذا اجتمع خمسة من العرب شكّلوا خمس طوائف، وخمس أحزاب، وخمس قوانين، يعلن كل واحد منهم أنه الرئيس دون جلسة نقاش واحدة، وتبدأ التحالفات، ثم الخصومات، ثم الفتنة، ثم التكفير، ثم استيراد الأسلحة، ثم القتل.
كفاكم يا عرب، ألا تعلمون أن من سيرث الأرض هم تجار السلاح لأننا مشغولون بقتال بعضنا؟
اتحدوا يا عرب، فالقرآن يمدحكم: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾. فأين نحن من هذه الآية؟ خالفناها فأصبحنا مستأسدين على بعضنا، على مستوى الدول والأفراد، وعلى عدونا رحماء.
وأجمل ما يتجلى به حب الوطن حق الدعاء.
الدعاء تعبير صادق عن مكنون الفؤاد، ولا يخالطه كذب أو مبالغة أو نفاق؛ لأنه علاقة مباشرة مع الله.
لقد دعا الرسول صلى الله عليه وسلم للمدينة، كما في الصحيحين: “اللهم اجعل بالمدينة ضعفي ما جعلت بمكة من البركة”. رواه البخاري ومسلم.
ومن حبه للمدينة يأخذ صلى الله عليه وسلم من ريقه بتراب وطنه ويمسح به الموضع العليل، ويقول: “بسم الله، تربة أرضنا، بريقة بعضنا، يُشفى سقيمنا بإذن ربنا”.
السيدة عائشة رضي الله عنها
هاجرت وهي تبلغ من العمر تسع سنوات، وعاشت بالمدينة ثمانٍ وخمسين عامًا. ماذا كانت تقول عند رؤيتها للقمر في المدينة؟ للقمر في مكة أفضل من القمر في المدينة. إنه حب الوطن.
وقد حكى الله سبحانه وتعالى عن نبيِّه إبراهيمَ عليه الصلاة والسلام أنه دعا لمكة المكرمة بهذا الدعاء:
﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴾ البقرة: ١٢٦.
ودعاء إبراهيمَ عليه الصلاة والسلام يُظهِر ما يفيض به قلبُه من حبٍّ لمستقر عبادته وموطن أهله.
ختامًا أقول: والله ثم والله، مصر هذه لا يصلح لها إلا أهلها، ولا يصلحها إلا أهلها.
لا أحد يعرف كيف يُحسن استضافة البلاء كأهل مصر.
ولا أحد يعرف أن يضحك وقت الأزمات كأهل مصر.
ولا أحد يعرف أن يصنع من الحنظل سُكَّرًا كأهل مصر.
ولا أحد يعرف الإنسانية كأهل مصر.
ولا أحد يعرف التضحية كأهل مصر.
ولا أحد يسترخص نفسه فداءً للوطن كأهل مصر.
ولا عجب وقد رأينا في الفترة الأخيرة هذا البطل الذي أعجز غيره بكل معاني الشهامة والتضحية والفداء، فتُوفِّي متأثرًا بإصابته بعد أن هبّ لإنقاذ منطقة بأسرها من كارثة محققة في مدينة العاشر من رمضان؛ بأن سارع إلى إبعاد سيارة إمداد بالوقود إثر اشتعالها، فافتدى بجسمه وروحه أهل المنطقة وزملاءه والمكان بأكمله.
كل هذا يؤكد أن المصري لا ينافسه في الوطنية أحد.
إن الوطن ليس حفنة من تراب.
إن الوطن ليس مكانًا نعيش فيه، بل مكان يعيش فينا، فلا شيء يعادل تراب الوطن.
ليس هناك منطقة رمادية في عشق الوطن، فليس أمامك إلا أن تحبه وتدافع عنه.
لذا أقول: هذه هي النماذج التي ينبغي أن تُقدَّم للناس قدوة…
هؤلاء هم الأبطال الذين يجب أن تخلّد الأوطان ذكراهم.
هؤلاء هم الذين جسّدوا حب الوطن وأثبتوا أن الوطن ليس حفنة من تراب.
وكأن الواحد منهم يقول: أيها الوطن الحر الأبي الشامخ، كن كما أنت فنحن فداءك.
كن شامخًا وادحر عدوك بأيدينا وعقولنا وأفكارنا وأعمالنا، بل بأرواحنا.
ووالله وبالله وتالله، لن يكون وطننا إلا بالله أولًا ثم بالمصريين ثانيًا.
لن تُبنى مصر بالأمريكان.
ولن تُبنى مصر بالأوروبيين.
لن تُبنى مصر ولن تكون مصر إلا بالله أولًا ثم بالمصريين ثانيًا.
ندافع عن وطننا بالنصيحة، فنحن جميعًا ركاب سفينة واحدة كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم:
«مَثَلُ القائمِ على حدودِ الله، والمُدْهِنِ فيها، كمثل قومٍ استهَموا على سفينةٍ في البحرِ، فأصاب بعضُهم أعلاها وأصاب بعضُهم أسفلَها، فكان الذين في أسفلِها يصعدون فيستقون الماء فيُصبّون على الذين في أعلاها، فقال الذين في أعلاها: لا ندعُكم تصعدون فتؤذوننا. فقال الذين في أسفلها: فإنّا نَثقبها في أسفلها فنستقي. فإن أخذوا على أيديهم فمنعوهم نجوا جميعًا، وإن تركوهم غرقوا جميعًا» رواه البخاري.
نحن جميعًا ركاب سفينة واحدة، إن نجت نجونا جميعًا، وإن هلكت هلكنا جميعًا.
كونوا من الحماة لها ولا تكونوا من الخارقين لها.
ففي كل مجتمع فئة تخرق السفينة، فأين أنا وأنت؟ هل أنت من المحافظين لها أم من الخارقين والمضيّعين لها؟
يا سادة:
البلد وطن.
والدين وطن.
والأسرة وطن.
والآخرة وطن.
ولا ننسى الحديث عن الوطن والحنين إليه يُذكِّر المؤمن بالوطن الأول، ألا وهو: الجنة.
نعم، ذلك هو موطننا الأصلي الذي غفل عنه معظم الناس، ﴿ وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ ﴾ يوسف: ١٠٣.
قال الفضيل بن عياض رحمه الله: المؤمن في الدنيا مهموم حزين، همُّه مرمّة جهازه، ومن كان في الدنيا كذلك فلا هم له إلا التزود بما ينفعه عند العود إلى وطنه، فلا ينافس أهل البلد الذي هو غريب بينهم في عزهم، ولا يجزع من الذل عندهم.
إنما الدنيا فناء
ليس للدنيا ثبوت
إنما الدنيا كبيت
نسجته العنكبوت
فالمؤمن أبدًا يحنّ إلى وطنه الأول، وحب الوطن من الإيمان.
وكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول: «إنّ الدنيا قد ارتحلت مدبرة، وإن الآخرة قد ارتحلت مقبلة، ولكل منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب، وغدًا حساب ولا عمل».
ولهذا كان المؤمن غريبًا في هذه الدار، أينما حلّ منها فهو في دار غربة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كُنْ في الدنيا كأنك غريب أو كعابر سبيل».
وكان ابنُ عمرَ رضي الله تعالى عنه يقول: «إذا أصبحتَ فلا تنتظرِ المساء، وإذا أمسيتَ فلا تنتظرِ الصباح، وخُذْ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك» رواه البخاري.
اللهم ردنا إليك ردا جميلا ،واحفظ مصر وأهلها وسائر بلاد المسلمين من كل سوء وشر يارب العالمين… اللهم آمين يارب العالمين.


