د. محمد جلال القصاص يكتب: حق الناس في اختيار من يحكمهم بين الإسلام والديمقراطية!
مع كل انتخابات للرئاسة الأمريكية يثورُ سؤالٌ حول مدى أحقيةِ الناسِ في اختيار من يحكمهم في الإسلام.
وحين تُسأل تمهل قبل أن تجيب. حاول أن تدورَ حول السؤال وتعيد النظر فيه مرة بعد مرة، وحاول أن تتعرف على السياق الذي أفرزه والهدف الذي يسعى إليه، فالسؤال سهم، وفخ، ولا يبقى الحالُ بعد السؤال كما قد كان قبله، هذا إن رُمي به ذو عقل.
وهذا السؤال في ظاهره يبحث عن شرعية العملية الانتخابية، وفي باطنه يستهدف شرعنة الديمقراطية وتحسينها في عين المسلمين،
وذلك بعرض حال القوم وهم يختارون من يحكمهم، وكأن الحاكم عندهم طوع الرعية.. هي التي تأتي به..
وتستطيع أن تعزله إن شاءت. وكأن تَحَكْم العوام (إن حدث) فيمن يحكمهم أمر محمود ومنشود!!
ونجيب بما يناسب خاطرة فكرية:
لم يحدد الإسلام طريقة لاختيار الحاكم، فقد ترك رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الأمر للصحابة، رضوان الله عليهم، واجتمعوا على أبي بكر الصديق؛ وعيَّن أبو بكر شخصًا بعينه (عمر)؛ وحدد عمرُ عددًا (ستة) ليختار الناسُ أحدهم، ثم كان الحكم مغالبةً ووراثة وسكت عنه الأئمة من التابعين.
فالأمر متروك للسياق الزماني والمكاني هذا ما كان عليه الناس في القرون الأولى التي أمرنا بالاقتداء بهم ” فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا”(البقرة: 137).
ومن الظلم، بل من التضليل، اعتبار أن اختيار الناس لمن يحكمهم هو عين الحرية أو بابها الواسع، فالحرية السياسة نوع واحد فقط من أنواع الحرية.. هذا لو سلمنا-جدلًا- أن الناس في الولايات المتحدة وأخواتها يختارون من يحكمهم بحرية دون تأثير الإعلام والمال والخطاب الانتخابي.
النموذج الإسلامي
في النموذج الإسلامي مساحة النفوذ الخاص بمن في السلطة محدودة بشكل كبير، فالحاكم لا سلطة له إلا على الجيش (الذي يتواجد فقط في الثغور) والشرطة (وهي فقط لتنفيذ أحكام القضاء)،
والقضاء مشترك بين الحاكم والجمهور (يعين الحاكمُ القاضي ويستطيع الجمهور عزله إن شُهد عليه بالفسق والجور في الحكم)،
والمال يوزع كله على الناس ولا يبقى شيء منه في يد الحاكم، أو لا يخصص شيء منه للسلطة ونخبتها. وهذه نقطة محورية فصّل فيها الدكتور جميل أكبر في أطروحته «قص الحق».
فالإسلام حد من نفوذ السلطة وأعطى الناس حرية كاملة، وليس فقط حرية سياسية.. مكّن الناس من الإمكانات كلها أو يكاد.
فالمجتمع بمؤسساته في يد الناس، وابتكر الناس «الوقف» لإدارة شئونهم، واستطاع المجتمع أن يضمن حريته كاملة بالوقف وبتقديم أهل العلم وأهل الحل والعقد وأهل المروءات لا من شاء أن يتقدم،
واعتبار أن الأسرة مجتمع، وأهل المسجد الواحد مجتمع، وأهل القرية/ المدينة مجتمع يتكافلون فيما بينهم ويبذلون فروض الأعيان
ثم يتنادون لفروض الكفايات التي تتحول لفروض أعيان إن لم تجد من يقوم بها.
ومن شاء يطالع عن الوقف في الإسلام، وكيف أنه وفر للمجتمع استقلالية تحميه من ظلم الحكام وتطاول الأغنياء وتعدي الفقراء، بخلاف نموذج الحكم المعاصر (الدولة القومية الحديثة)
والذي فيه تتحكم السلطة بما تسيطر عليه من مؤسسات تنفيذية في كل شيء، حتى العمل الخيري،
ولا يستطيع الفرد/ الأسرة/ المجتمع الصغير أن ينال حريته في وجود مؤسسات الدولة التي تسيطر وتدير كل أمور الحياة.
فما يقال في النموذج الإسلامي لا يقال في النموذج العلماني. هذا نموذج وهذا نموذج.
هذه منظومة لإدارة الحياة وتلك منظومة أخرى لإدارة الحياة والفرد في المجتمع المسلم في بحبوحة، وبعيد جدًا عن الحكم وتقلباته اختار الحاكم أم لم يختاره.
حق الناس في اختيار من يحكمهم شرعي
وحق الناس في اختيار من يحكمهم شرعي، من الإسلام، يوجد هذا في بعض صور اختيار الحاكم
وليس كلها (كما حدث في أخذ أراء الناس في «علي بن أبي طالب» أم «عثمان بن عفان»
حين استقر الأمر بين النخبة [الستة الذين عينهم عمر بن الخطاب] على أحدهما)؛
ولكن ثمة شيء لابد من الالتفات إليه، وهو: أن عوام الناس لا تختارون مباشرة بل يختارون ممن تختارهم النخبة. بمعنى أن عملية الاختيار تتم على مرحلتين:
الأولى: تقوم النخبة باختيار عدد محدود ممن يصلحون للحكم (كما فعل عمر)، وكما يفعل الأمريكان الآن.
والثانية: يأتي العوام ويختارون من الذين اختارهم النخبة.
بمعنى أن الأمر لا يترك لمن شاء أن يترشح، ولا يترك للعوام يحددون ما يريدون، وإنما يكون خيار ممن تم اختيارهم بعناية.
وهذا يفعلونه في بلادهم ولا يفعلونه في بلادنا!!
الخلاصة الديمقراطية شيء والإسلام شيء آخر، وحرية الناس في الإسلام كاملة وليست فقط حرية سياسية،
فقد مكن الإسلام الناس من إدارة شئون حياتهم وليس في اختيار الحاكم فقط.
فالمجتمع المسلم مستقل عن الحاكم يدار بأهل العلم (وهم العلماء العاملون)،
ويدار بأهل الحل والعقد وأهل المروءات، وبعيد بنسبة كبيرة جدًا عن الحاكم (السلطة).