تضع العلمانية معاييرها الدنيوية البحتة في الحكم على الأشخاص والمواقف والعلاقات، ولأن المصالح الدنيوية تختلف من دولة إلى أخرى، ومن حزب إلى آخر، فإن المعايير العلمانية نفسها ستختلف أيضا، فأنت (على الحق) لأنك تقف مع مصلحتي، وذاك (على الباطل) لأنه يقف ضد مصلحتي، وقد تنقلب هذه الأحكام بانقلاب المواقف وتغير المصالح.
بعض (الإسلاميين) اليوم بدأ ينهج هذا النهج نفسه، وكل بحسب مصلحته التي يقدرها لنفسه أو لجماعته أو لبلده، وينأى بنفسه عن المعايير الربانية (الإسلامية).
(إسلامي) يرى بعينه ويسمع بأذنه من يصرح بالكفر، ويدعو إليه جهارا نهارا، فلا يهمه ذلك، بل ولا يعجبه أن يسمع أي رد عليه، لماذا؟ لأن هذا المعني قد التقت مصلحته بمصلحة هذا الإسلامي ولو في ظرف محدد، -وهذا على فرض صحة هذا التقدير- وإلا فإن هذه (المصالح المشتركة) قد تكون مصالح متوهمة، تؤول نتائجها إلى كوارث في الدنيا قبل الآخرة كما هو حاصل ومشاهد.
لقد صار الذي ينافح عن عقيدته وثوابت دينه في نظر هذا النمط من الإسلاميين (طائفيا) بينما الذين يسعون بكل إمكانياتهم لمسخ الإسلام بدين جديد يقوم أساسا على تأليه البشر، وضرب مصادر الإسلام الأصيلة (القرآن والسنة) يستحقون الإشادة.
ربما نسي هذا النمط أن أصل عدائهم لأنظمة الحكم القائمة أنها (أنظمة لا تطبق شرع الله) لكن حينما جاء نظام من خارج هذه الدائرة يلغي شرع الله كله، ويلغي عقيدة الإسلام من أساسها، ويطعن في القرآن ومن جمعه ومن نقله، ويطعن في السنة ومن جمعها ونقلها، ويقدم سردية منافية لهوية الأمة كلها من التوحيد والنبوة والوحي حتى الصحابة والتاريخ والفتوحات..الخ تعامل معه هؤلاء بطريقة مختلفة.
الأغرب من هذا أن هذه المصالح الدنيوية ارتفع معيارها عندهم إلى درجة أنها أصبحت هي ذاتها معيارا لصوابية العقيدة نفسها، حتى زعم زاعمهم أن هؤلاء (الذين يطعنون في القرآن والسنة ويشتمون عرض النبي صلى الله عليه وسلم، والخلفاء الراشدين) هم الذين اختارهم الله بديلا عن أمة الإسلام!!
وحينما تسأله: هل قدمت دراسة جادة عن عقائد القوم، أو اطّلعت على مصادرهم المعتمدة مثلا؟ تتفاجأ أنه ربما لم ير في عمره كتابا واحدا لهم، فهو يحكم عليهم من خلال بياناتهم ومواقفهم السياسية الحالية فقط.
فأي تيه أكبر من هذا التيه؟
وأي ضلال أكبر من هذا الضلال؟
لقد وقف بعض المشركين مع النبي صلى الله عليه وسلم حمية، كما في قصة المطعم بن عدي الذي أجار النبي عليه الصلاة والسلام عقب عودته من الطائف، لكن النبي لم تصدر منه كلمة واحدة تزكيه أو ترفع شأنه على المسلمين، ولكنه اكتفى بتقدير موقفه هذا تقديرا دنيويا بحتا.
أيها المفتون، إيها الإسلاميون، لا تخدعوا أنفسكم: إن رسالة الأنبياء جميعا التي نتلوها في كتاب ربنا كانت في الأساس للتفريق بين (الإيمان) و (الكفر) و بين (التوحيد) و (الشرك)، ثم بعد ذلك تأتي قيم الحياة والحقوق والحريات، فإذا وصل بكم الأمر أن تخجلوا من أن تناقشوا أصول عقيدتكم، ثم عوضا عن ذلك تكتفون بمناقشة مقولات (العدل والظلم) و (الحرية والاستبداد) ..الخ وهي المقولات التي ترددها كل شعوب الأرض، لأنها قيم إنسانية عامة، فإنكم قد التقيتم مع (العلمانية) بأجلى صورها، أما إذا وقفتم مع الظالم المعتدي الذي قتل العباد وخرب البلاد إضافة إلى عقيدته الفاسدة المفسدة لأن مصلحتكم المتوهمة التقت مع مصلحته فإنكم بذلك انسلختم من إسلامكم وانسلختم من إنسانيتكم على حد سواء.




