♦ شاعر الملاحم الإسلامية العملاق كامل أمين (1915 – 2003م) عاش حياته في ملحمة موصولة الحلقات، بارزة السمات، منذ كان جده.. الحاج إسماعيل” عكّامًا” أي جمّالاً للمحمل المصري في زمن الخديوي إسماعيل، وحتى لحوقه بالرفيق الأعلى…. ومرورًا بتقلبه ووالده بين الرسم والنقش والزخرفة والتعلق بقباب المساجد وأسقف القصور، منذ شربا هذه المهنة من الخواجة اليوناني “كوستي أدميدس”.. وحتى تمرده على هذا الواقع المفعم بالصعاب.. ورميه بنفسه في أتون الجهاد على أرض فلسطين الحبيبة…
♦ إنها حياة حافلة بكل ما يهز مشاعر الإنسانية.. مدادها الشدائد والصعاب.. والسجون والمعتقلات، التي دار عليها فارس الشعراء وكبيرهم.. شاعر الملاحم.. الرسام الخالد.. كامل أمين… مبدعًا خلالها دواوين “نشيد الخلود” يوليو 1947، و”عندما يحرقون الشجر 1965″، “النور الأخضر” 1980، عن المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب، “ومصباح في الضباب” 1980، عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، و”المشاعل” 1962، و”إني أتهم” تحت الطبع.. والملاحم الخالدة… “السماوات السبع” 1378هـ، وملحمة “عين جالوت” في 20 ألف بيت من الشعر عام (1395هـ/ 1975م) عن الهيئة المصرية العامة للكتاب
والذي لايعرفه أحد، أن كامل أمين قد كتب هذه الملحمة الخالدة وهو سجين، يترد مابين معتقل القلعة، وسجن طرة
و”الملحمة المحمدية” 1980، و”ملحمة أكتوبر 1974م، وملحمة “القادسية” عن دار الحياة عام 1982م، وملحمة (إخناتون) من أربعة فصول (لم تطبع) وملحمة عن الجهاد الليبي ضد الاحتلال الإيطالي.. باسم “سعدون” فقدت من الشاعر الراحل من جرّاء المداهمات الأمنية المتعددة، التي كان يتعرض لها ظلمًا وعدوانًا..
♦ وهذه اللوحات التاريخية التي صاغها كامل أمين، بكل يسر وسلاسة وسهولة،لاتتيسر إلا لشاعر في مثل حجمه ومستواه وعمقه وسموقه.. من القليل النادر من كبار الموهوبين، الذين يملكون هذه القدرة الشعرية الهائلة، التي تمكنهم من صياغة أي حدث.. مهما كان.. صياغة شعرية عذبة عميقة ميسورة
♦ كما ضم تراثه الفريد، عدة لوحات زيتية متميزة أهمها (الريف المصري – عين جالوت – القادسية -أنا الشاعر- رؤية) وغيرها من الرسوم النادرة.
وكان العملاق الراحل كامل أمين يدرك تمامًا فقر المكتبة الشعرية العربية والإسلامية في فن الملاحم، وكانت ترن في أذانه دعوة العلامة (محب الدين الخطيب) التي أطلقها قديمًا، وحاول إقناع شوقي بها في ضرورة سد الفراغ الشعري الإسلامي بشأن (الملحمة) ولكن شوقي وقف عند حدود قصائده ومسرحياته، فأعاد محب الدين الخطيب المحاولة مع (أحمد محرم) الذي أقدم على خوض التجربة.. وسطر (الإلياذة الإسلامية) التي خلد بها أمجاد الإسلام على صفحات مجلة الفتح التي كان يصدرها محب الدين الخطيب…
♦ ومن هنا أقدم (كامل أمين) بكل ثقله، وموهبته الضخمة، وقدرته الشعرية الفائقة على النسج الدرامي، والحكي الشعري العميق والتصوير والتكوين الذي يمتلكه شاعرنا بريشته وفرشاته، كما يمتلكه بقلمه وأدواته.. فانطلق في سماء الملاحم.. نجمًا فريدًا، وشاعرًا مجيدًا، مهما جحده الجاحدون.. أو تآمر عليه الشيوعيون والعلمانيون..
♦ فعكف على عشرات المراجع الوثيقة، في السيرة والمغازي، ومدونات الحروب الصليبية، والتاريخ والحضارة، والعسكرية الإسلامية، والأدب العربي والعالمي، وقرأها قراءة الباحث الدارس، والمحقق الدقيق.. ومنحها نفسه بالكلية..
ولأنه يمتح من معين الإسلام.. ويحتسب نفسه لهذه المهمة المقدسة فقد تضرع داعيًا ربه ذلك جل وعلا.. ذلك الدعاء الضارع المنيب:
يا رب هيئ لنا من أمرنا رشدا واجعل لنا من لدنك العون والمددا
وكن لنا لا علينا إن ألمّ بنا خطب وعوض علينا كل ما فقدا
يا عون من لم يجد عونا ويا سندا لكل من يجد في ضيقه سندا
♦ رحل عنا هذا العملاق الموهوب الفارس.. بعد حياة حاصره خلالها الأقزام وأشباه الرجال.. مثلما أحكموا كل دوائر الصمت حول مماته.. رحمة الله عليه.
♦ ولد كامل أمين بمدينة طنطا محافظة الغربية في 5 يوليه 1915 حيث كان جده الحاج إسماعيل جمّالاً للمحمل التركي، أوفد إلى مصر ليكون “عكامًا” أي جمالاً للمحمل إلى الأراضي الحجازية زمن الخديوي إسماعيل، وقد حج بالمحمل المصري (من قبل الدولة العثمانية).. وترك ابنه محمد (جد الشاعر) صغيرًا… فلما شبّ تعلم صناعة النقش والزخرفة، واندمج في أبناء هذه الطائفة، وانتقل من القاهرة إلى طنطا في عهد الخديوي عباس حلمي الثاني لزخرفة ونقش مسجد السيد البدوي بطنطا.. وتزوج من الآنسة “فوز” جدة الشاعر”.. وأنجب منها والده أمين.. الذي أوكل به إلى صديقه اليوناني الفنان الرسام (كوستي أدميدس) حتى صار فنانًا شهيرًا بمدينة طنطا… يتردد على قصور الأغنياء.. ويتعلق بأسقف المساجد وقبابها.. ويعرض فنه الجميل من النقش والرسم في محل اتخذه بشارع “القنطرة” بطنطا.
أدخله والده كتاب الشيخ “العراقي” بدرب الديب بطنطا.. حيث حفظ معظم القرآن الكريم.. وظل يتردد بين هذا الكتاب وكتاب الشيخ “عبد البر”.. فيما أخذ والده يتاجر في “الكرانيش” إلى جانب الرسم والنقش، فراجت تجارته، وفتح مصنعًا للبلور والمرايا.. وأصبح حانوته ذا عدة أبواب في شارع الشيخة صباح “أحمد ماهر حاليًا”… حتى ألحقه والده بمدرسة “الفرير” حيث مكث بها ثلاث سنوات، إلى أن سمع والده بحادث تبشير فيها، فخشى على ولده وأخرجه منها، إلى مدرسة “العروة الوثقى الإسلامية”، حيث مكث به سنة واحدة.. دخل بعدها مدرسة طنطا الابتدائية التي ظل بها أربع سنوات، ليتركها للعمل مع والده في دكانه، بعد أن قرر والده أن يكون ولده “نقاشًا” ورسامًا.. وذلك إثر رسوبه بالصف الرابع الابتدائي.. فدفع به إلى الأسطى الفنان الخواجا “كوستي” بعد أن مات ذووه.. وأصبح وحيدًا.. يكتنز كل فنون الرسم والنقش وتراكيب الألوان في شخصه العجوز.
في دروب الحياة
بين النقش العربي المعقد، وتراكيب الألوان العجيبة، ورسوم الشخوص الناطقة.. ظل كامل أمين يتنقل بين اللوحات والبنايات والأقمشة والأسقف الفخيمة… يشكل الملامح، ويصب خبرة الأيام التي حرمته من مدارج الدراسة.. فانطلق في معارج الفنون… رسامًا بالفرشاة والزيوت، قبل أن يكون رسامًا بالكلمات والقصائد…
ويبدو أن جمرة الفن كانت لا تزال تشتعل في نفس أبيه، فاشترى له “كمان” وأرسله إلى قائد فرقة موسيقى المطافي بطنطا ليعلمه العزف عليه بالنوتة، مما حدا به أن يتعلم مبادئ العزف وإتقان الدور على يد الموسيقى الخبير الضرير “سيد مصطفي” متخرجًا على يديه من معهده الموسيقي الخاص لقاء عشرين قرشًا كان يدفعها كامل أمين أول كل شهر.
إلى جوار دكان والده بطنطا.. كانت مكتبة الخواجة “اسبيرو”…. ذات النوادر والعجائب.. وفيها… وقعت يد شاعرنا على كتاب “أدبيات اللغة”.. حيث حفظ أمثال العرب من شعر ونثر، ومع لذعة الفن المحرقة، ولوعة الحرمان من الدراسة المشوقة، تفتق “الشاعر” في نفس هذا الفنان العجيب.. ممزوجًا بقصص (سيف بن ذي يزن) و(الظاهر بيبرس) و(عنترة بن شداد) التي كان ينشدها الشيخ “الرحماني” على ربابته بمقهى الدراويش المجاور لمسجد السيد البدوي.. وكانت تستغرق منه رجب وشعبان ورمضان من كل عام…
تراكمت هذه الروافد وتضافرت هذه الأفكار.. وتشيّأت على أرضية ثقافية واعية.. ليندفع “كامل أمين” إلى عالم الشعر والشعراء.. وليقف على أعتاب رحلة.. سارت به إلى “خلود” كبير.. فيقول:
لغير أيامكم أحيا بأيامي وفي سوى أرضكم أشكوا بآلامي
خذوا حياتي أوراقًا أساقطها يومًا فيومًا وصونوا ذكر أيامي
فتلك قصة جيل سار فارسها مدرّع الخيل، في نقع الورى الدامي
وإن في الرمل لو تدرون من رمقى بعضًا من القلب يسري خلف أحلامي
ما زلت في البيد، والأقدار في أثري تسفو الرياح بها آثار أقدامي
هنا عزفت نشيدًا لم يكد قلمي يرويه حتى بكتني فيه أنغامي
لحن إذا الدهر لم يتممه في زمني فلن تتمه من بعد أيامي
أطوف بالأرض، نشوان الهوى ثملاً أشدو بحزني، ولا أشكو بآلامي
ومع إنطلاق شلال الشعر في وجدان هذا الفارس المتفرد، اتصلت همزة الوصل بمقاعد الدرس، فأنهى دراسته الابتدائية وهو في السادسة عشرة والتحق بالمدرسة الناصرية الثانوية بطنطا، وخلال دراسته الثانوية.. كانت المضايقات والمداهمات ما تكاد تنتهي حتى تبدأ.
نشيد الخلود
مرت مرحلة الدراسة الثانوية، وشاعرنا رهن التفتيش المفاجئ، والاعتقال الغاشم، بعد قيامه وأعضاء حزب “مصر الفتاة” بتحطيم الخمارات حيث انتظم شاعرنا بين رجال “القمصان الخضر”.. حتى إنه اضطر لاستئجار غرفة خاصة بمكان مجهول، حتى إذا هاجمه رجال المباحث.. ابتعد أذاهم عن أهله وجيرانه.. ومع عبد الخالق فتحي الشرقاوي، ابن عم أدهم الشرقاوي” البطل الشعبي المصري.. كانت سكني شاعرنا.. حتى تم اعتقاله إثر قيام عز الدين عبد القادر بمحاولة لاغتيال النحاس باشا… ومن غرفته تلك إلى قسم طنطا، إلى سجن المحافظة بالقاهرة المسمى بسجن “الاستئناف” برفقة الدكتور نور الدين طراف (الوزير بعد ذلك )، الذي أدى امتحان السنة النهائية بكلية الطب تحت الحراسة، ونعم في سجنه بصحبته فتحي رضوان (الوزير بعد ذلك ) وأحمد حسين وحماده الناحل ومحمد صبيح وغيرهم… إلى أن تغيرت الوزارة فأفرج عنه، وعاد إلى شوارع طنطا يجوبها كأنه قادم إلى الدنيا لأول مرة في حياته.. منشدًا:
من هو الفارس الذي يزعم الركـ ض إذ لاح بارقي؟ من يباري
كل من في الوجود ليل “ونجـم” وأنا الشمس في سماء النهار
أدفع الريح كالمشيئة هذي عن يميني وهذه عن يساري
أكرهتني الرغاب أن أركب الصـ عب وأن أرعى برغمي اصطباري
فعشقت السرى بها رغم أنفي وقبلت الأذى بغير اختياري
لا الرضا بالقضاء عجز ولا الصـ مت إزاء الزمان صبرًا بعارٍ
كلنا في يديه أسرى لما يقضـ ي وحكم القضاء لابد جاري
وكان من توابع هذه الفترة التي أمضاها بالسجن، أن رسب في الامتحان في تلك السنة.. كان ذلك عام 1938م وكانت وزارة الحربية قد أعلنت في الصحف أنها بحاجة إلى متطوعين للجيش بمدارس ضباط الصف، من حملة الشهادة الإبتدائية أو شهادة الثقافة العامة، فتقدم إليها، وما هي إلا شهور حتى أصبح “أمباشي بسلاح المدفعية المضاد للطائرات” وفي الجيش تفتقت قدراته المتميزة في المصارعة والرماية والرسم والشعر.. وصادق قادته الكبار من أمثال النقيب (محمد فوزي) وزير الحربية بعد ذلك، والنقيب عبد المنعم رياض (رئيس الأركان فيما بعد) وغيرهم.. وغيرهم.. وبسبب قدراته أيضًا.. دخل السجن في محاكمة عسكرية لتغلبه على أحد مصارعيه بصورة أحرجت قائده بشدة.. فدبر له محاكمة عسكرية ظالمة.. أدخل بسببها السجن عدة أشهر وكان مهددًا بالفصل نهائيا من الجيش..
وليس كالظلم من سخرية مرة، ومرارة ساخرة.. وهذا شاعرنا يقول:
وضحكت سخرية فأنكر صاحبي ضحكي فقلت ضحكت من نكباتي
وأمات قلبي الحزن حتى أصبحت سخريّتي بالحزن من عاداتي
من يلزم الأحداث يألفها ضنىً ويشق أوعر طرقها بثبات
وقد لازمت هذه السخرية المرّة شاعرنا طوال حياته، وشكلت إلى حد كبير نظرته للحياة والأحياء. فقد كان يرى معظم أحداثها، وأطوارها كأنها “خيال الظل”.. ومع عميق إيمانه، وصلابته وعصاميته في الحياة وتلطمه بين أحداثها كان يقول:
بيني وبين زماني شبه قافية ننأى ونرسو إليها حين ننفعل
إذا اختلفنا هجونا بعضنا وإذا عاد الوفاق جرى في شعرنا الغزل
فحال أولنا حبٌ على طمعٍ وحال آخرنا مستفعل فعل
وتمرس شاعرنا الفحل في الجيش بمهارة على المدافع الثقيلة والخنادق، وأصبح معلمًا على مدافع “الفكرز” و”اللويس” وتنقل ما بين الإسكندرية وبورسعيد.. كان ذلك أثناء عام 1941 في الحرب العالمية الثانية، وكان الدور الوطني متداخلاً إلى حد بعيد بين مقاومة الإنجليز المحتلين، والعمل السياسي المحاصر، والأوضاع الداخلية الفاسدة.. ومرت شهور حتى انتقل الآلاي الأول مدفعية الذي يعمل بها إلى القاهرة، مستقرًا في منشية البكري، وليظفر شاعر الملاحم “كامل أمين” بقائد جديد لبطاريته الثالثة مدفعية.. اسمه “حسن فتحي” (اللواء بعد ذلك) الشاعر والفنان والمؤرخ والمفكر العسكري صاحب سلسلة “المدخل للفتوحات الإسلامية” وحفيد سليم فتحي باشا قائد الجيش المصري وشهيد “حرب القرم” عام 1855م * وبصداقة “كامل أمين “لحسن فتحي” توطدت صحبة الأدب بين كل من الضابط كمال الحناوي (عضو تنظيم الضباط الأحرار) (الشاعر) والقائد حسن فتحي، والشعراء أحمد فتحي، وعبد الحميد الديب
وكان حسن فتحي مسعفًا لكامل أمين في حقوق الصحبة في الكتيبة 13، أو حقوق ذات اليد في أي مكان تدرك فيه “كامل أمين” حرفة الأدب، أو تنزل به ضائقة مالية.. وما أكثرها.. واستمرت هذه العلاقة إلى نهاية حياة كامل أمين حيث كان حسن فتحي رجلاً نديّ القلب والقالب.. أصيل الصحبة والخلة.
وقد أطلعني شاعر الملاحم كامل أمين، على تحية شعرية بخط يده كتبها يوم الأربعاء 27 صفر 1410هـ الموافق 27 سبتمبر 1989م، 17 توت 1706 قبطي لتهنئة حسن فتحي برتبة (اللواء)… يقول في إهدائها:
(إلى قائدي سيادة اللواء “حسن يوسف فتحي” بالبطارية الثالثة (م.ط) بسلاح المدفعية.. في فترة تطوعي بالجيش عام 1938 حتى عام 1945..)
يا قائدي (حسن) عرفتك رائدًا مذ كنت لي في المدفعية قائدًا
والجيش أعطاك “اللواء” برتبة والحرب أعطتك (اللواء) مجاهدًا
أبدعت فن الحرب حتى صغته علمًا وتكتيكًا وفكرًا راشدا
وبرعت في دفع الفيالق للوغى كرًا وفرًا.. ذاهبًا أو عائدًا
ونبغت في التخطيط حتى صغت مِنْ مَنْ أدركوا الأركان زحفًا عابدًا ا
أما القوافي فهي شاهدة معي لك بالقريض إذا دعاني شاهدًا
وعاش كامل أمين حياته القاسية بين عزة المجاهد، وفروسية الشاعر، ورهافة الفنان، ومرارة الغبن والابتلاء.
لكنه إذا ناشه أحد، أو نال من كرامته شيئًا – كائنا من كان – هتف شعره الحاسم، ليعلن مذهبه في الحياة الذي أدخله السجون عدة مرات.. لكنه لم يغيره أو يتنازل عنه قيد أنملة.. حتى سطر شاعر الملاحم من حياته ملحمة فريدة وهو يعلن بكل قوة وثبات:
إلى الذين سمائي فوق عالمهم وفوق كل عظيم فوقهم قدمي
العائشين مع الموتى مناصفة كالحلم في العين أو كالدور في المم
لئن حييت ومد الله في أجلي لأسفكن دم الكتاب في قلمي
وأصرعن أنوفًا لو صنعت لها أنفًا من العاج بعد اليوم لم يصم
ممن أخاف وسيف الله في قلمي ومن أهاب وصوت الحق ملؤ فمي
ولم يفلح الشيوعيون في محاصرة شاعرنا أبدًا…. رغم تضييقهم الشديد عليه في كل وسائل التثقيف والإعلام…. لأن موهبته كانت أكبر منهم جميعًا، وكان شخصه أصلب من شخوصهم الملتحفة بفاشية الأنظمة وتقاطعها مع الإسلام جوهرًا ومظهرًا..
عاش كامل أمين ومات، صوتاً ملحمياً صادقاً، ونَفَساً تاريخياً مجيداً، وموهبة إبداعية محلقة، ولوناً فنياً متميزاً وزينةً تراثيةّ كنقوش الصواني، ورسوم الخيام، وأعمدة الدواوين
من آخر ما كتب.. إلى(العراق) بعد تورط نظامه في غزو الكويت، عندما خان صدام العروبة باحتلاله الغادر.. كتب كامل أمين:
باتت فلسطين بغير قضية
والقدس بات النفط عنه بديلا
والنفط.. لا دولار يدخل جيبنا
لما استحال فنادقاً وخمولا
ضاعت فلسطين العروبة خلسة
والقدس باتت ترقب التدويلا
ماذا جناه اليوم صدام سوي
أن ينتحي في خندق معزولا
إن كان بترول الخليج أفاده
من بعدنا فليشرب البترولا
عاش ذلك الموهوب المتميز حياته في إحدى الشقق الضيفة بحارة من حواري مصر العتيقة (17ج حارة الألفي – المتفرعة عن شارع محمد كريم الحلمية الجديدة).. وبينها وبين لقيا أصدقائه ومريديه بالمقهى البلدي بمنطقة (حلقوم الجمل).. بحي (التربيعة) بالغورية.. حيث كان يقضي وقته متأملاً مبدعاً مفكراً.. غزير الإنتاج.. ضخم الموهبة.. إسلامي المشرب والمصب
وترك ابنته، وولده حسن المهندس الكيميائي، الذي كان ثمرة زواجه من شقيقة الرائد العربي لأدب الأطفال (كامل كيلاني) رحمه الله…
حوصر شعره من أن يقرر بالمناهج الدراسية بالمدارس والجامعات وحوصرت أشعاره الوطنية والعاطفية الرقيقة الرائعة من أن تغنى أو تنشد كما حوصر شاعرنا الكبير… فحجبت عنه جوائز الدولة التشجيعية والتقديرية التي كان جديرًا بما هو فوقها من تقدير وجوائز، وحوصرت ملاحمه من العرض والتمثيل.
اللهم… إلا بعض النصوص التي أنشدها عدد من المبتهلين.. أو (الملحمة المحمدية) التي كانت تضطر إليها وزارة الثقافة والإعلام المصرية.. لأنه لا يوجد على الساحة عمل يوازيها.. فضلاً عن أن يفوقها…
وقد نوقشت عدة رسائل للماجستير والدكتوراه حول شاعر الملاحم الراحل كامل أمين… لعل أهمها.. وأكثرها نفاذًا في كيمياء الإبداع الملحمي عند الرجل، هي رسالة الباحث: عماد محمد محمد إبراهيم حول “ملاحم كامل أمين”.. دراسة في المضمون وآليات النص” من كلية الآداب بجامعة المنصورة تحت إشراف أ. د. سمير السعيد حسون
ورسالة الدكتوراة، التي أعدها الباحث عبد الرحيم أحمد عبد المولى بإشراف الدكتور عبد الصبور ضيف، أستاذ الأدب والنقد، وعميد كلية اللغة العربية بأسيوط، حول (شعر كامل أمين الغنائي بين الرؤية والفكر والتشكيل الجمالي)
كما حصل الباحث (صلاح مناع) على درجة الدكتوراه من قسم الأدب والنقد بكلية اللغة العربية بأسيوط، تحت عنوان: (الشعر الملحمي بين أحمد محرم وكامل أمين)
كذلك حصل الباحث الدكتور محمد فتحي السيد قنطوش، على درجة الدكتوراه بتقدير ممتاز من كلية الآداب جامعة المنوفية عن (الاتجاه الإسلامي بين كامل أمين وعبد المنعم عواد يوسف)
رحمة الله على شاعر الملاحم الإسلامي العملاق كامل أمين (٥ يوليو ١٩١٥- ١٩ سبتمبر ٢..٣) الذي سطّر بحياته الفنية والإبداعية ملحمة فريدة، تضاف إلى جانب ملاحمه الخالدة.
رحمة الله على العملاق “كامل أمين”.. الذي عاش أخريات حياته ضحية الإهمال والعنت، ثلاثين عامًا من عمره وهو يبحث عن طريق تحت وطأة المرض الشديد، وعاش قبلها أربعين عامًا أخرى وهو ضحية الحصار والتطويق الأحمر.. الذي كاد يصبغ المنطقة كلها في فترة كالحة من تاريخ عروبتنا، طوردت فيها الأقلام الشريفة وحوربت فيها الرؤوس والمواهب النظيفة.. التي كان شاعرنا أحد أمارتها المميزة، وشاراتها التي لن تغيب أبدًا.







