د. نصر فحجان يكتب: {بعثنا عليكم عباداً لنا أولي بأس شَديد}

 

اختلف العلماء والمفسرون في المُراد بقوله تعالى:

{بعثنا عليكم عبادًا لنا أولي بأس شديد} الإسراء/5، وفي تحديد هؤلاء العباد، على أقوال مُتباينة، وتأويلات مختلفة، لكنَّ بعض هذه الأقوال والتأويلات مرفوضة غريبة، لمخالفتها للحقائق التاريخية، ولمنطوق الآية الكريمة ومفهومها، ومنها هذان التأويلان:

 

التأويل الأول:

. حاول بعض المفسرين الكرام ممّن يرَون أنَّ الإفساد الأول لبني إسرائيل كان في المدينة المنورة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم أن يُثبتوا أن المراد بقوله تعالى:

(عبادا لَّنا) هم المؤمنون المتّصفون بصفات التقوى والصلاح.

 

  • وهذا يتعارض مع الحقائق التاريخية الثابتة من أوجه ثلاثة:

 

١. لم يكن لبني إسرائيل دولةٌ أو مُلكٌ في المدينة على مرِّ التاريخ، لا قبل النبي صلى الله عليه وسلم، ولا في حياته، ولا بعده.

 

٢. إنَّ المدينة المنورة لم تكن ساحة للإفساد الإسرائيلي وعلوّهم الكبير في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، بل كانوا خاضعين للدولة الإسلامية، وكان بينهم وبين المسلمين عهدٌ معروف، وميثاقٌ مكتوب .

 

٣. من المعلوم بداهةً أنَّ إفساد بني إسرائيل في المرّتين مكانهُ الأرض المباركة (فلسطين)، وأن خصوصية المسجد الأقصى لا بدَّ أن تكون حاضرةً في المرّتين لقوله تعالى :

{وليَدخلوا المسجدَ كما دخلوهُ أوَّلَ مرَّة وليُتبِّروا ما علَوا تتبيراً} الإسراء/7، والنبيُّ صلى الله عليه وسلم لم يدخل على اليهود في المسجد الأقصى لا في إفسادهم الأول ولا في إفسادهم الثاني .

 

. وهو ما يجعلني أذهب إلى عدم قبول هذا التوجيه للآيات الكريمة، لمخالفته الحقائق على الأرض، ولمخالفته الحقائق التاريخية المعروفة، ولمخالفته لمنطوق ومفهوم الآية :

{وليَدخُلوا المسجدَ كما دخَلُوهُ أوَّلَ مرّة وليُتبِّروا ما علوا تتبيرًا} الإسراء/7 .

 

. التأويل الثاني :

 

. ومن المفسرين من جعل الإفساد الأول لبني إسرائيل قد وقع في زمن الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وأنّه هو الذي أزال إفسادهم وقضى عليه، وهذا غير صحيح أيضاً من أوجُهٍ أربعة، كما يلي :

 

١. لم يكن لبني إسرائيل أيُّ شكلٍ من أشكال الفساد أو العلوِّ في فلسطين في زمن الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ولم يكن بنو إسرائيل هم الذين يسيطرون على بيت المقدس، ولا على فلسطين، بل كانوا لا يزالون في الشتات من بعد سَبيهم وزوال إفسادهم الأول على يد نبوخذ نصَّر .

 

٢. عندما دخل عمر بن الخطاب رضي الله عنه بيت المقدس كان المقدس كان الذين يحكمون هناك هم النصارى وليس اليهود، وقد تسلّم عمر بن الخطاب مفاتيح بيت المقدس بنفسه من حاكمها النّصراني (صفرونيوس) .

 

٣. إنَّ العُهدة العمرية التي كتبها عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أعطيت للنصارى، وليس لليهود .

 

٤. إنَّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه دخل بيت المقدس سِلماً، وليس حرباً، ولم يحدث منه جَوسٌ خلال، كما في الآية :

{فجاسوا خـلـٰل الدِّيارِ} الإسراء/5، فلا وجهَ للقول بأنّ الإفساد الأول كان في زمن الخليفة عمر بن الخطاب .

 

. {عِبادا لَّنآ} :

 

. كل المفسّرين الذين قالوا بأن زوال الإفساد الأوّل لبني إسرائيل كان على يد ملك بابل وجنوده لم يفهموا من قوله تعالى:

{عبادًا لنا} أنهم أهل إيمان وإسلام وصلاح، بل على العكس، فقد فهموا أنهم كفارٌ وثنيُّون .

 

▪. يقول السعدي في تفسيره :

(واختلف المفسرون في تعيين هؤلاء المُسلّطين، إلا أنهم اتفقوا على أنهم قوم كفار) .

 

▪. ويقول الطاهر بن عاشور في التحرير :

. (والمقصود بعباد الله هنا الأشوريون)، ومعلوم أن الأشوريون كانوا من أهل الشرك .

 

. وقوله تعالى: {لنآ} هو عبارة عن الضمير (نا) المتصل بحرف الجر (اللام)، وهو تركيب لا يفيد التزكية والامتداح والتقريب، بل يفيد المِلكية، فقوله تعالى (عبادًا لنا) أي :

إنهم مملوكون لنا، ويتصرَّفون وفق مشيئتنا، ومن صفاتهم كونهم {أولي بأس شديد} الإسراء/5، أما التزكية والامتداح والتقريب، فنجده في الضمائر المتصلة بالأسماء في بعض الأحيان مثل (بِعَبِدِهِ) في قوله تعالى مقرِّبًا نبيّه محمدًا صلّى الله عليه وسلّم :

{سبحان الذي أسرى بعبده ليلًا} الإسراء/1، ومثل (عَبدنا) في قوله تعالى عن النبي داود عليه السلام ممتدحًا وشاكراً :

{اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داوود ذا الأيدِ إنه أوابٌ} ص/17، وكما في قوله تعالى عن عباده المتوكِّلين على الله تعالى فلا يجعلون للشيطان سلطاناً عليهم :

{إن عبادي ليس لك عليهم سلطانٌ إلا من اتَّبعكَ من الغاوين} الحجر/42 .

. وإن قوله تعالى: {عبادًا لنا} لا يعني أنَّهم مؤمنون بالضرورة، للأسباب التالية :

 

وإنَّ قوله تعالى: {عبادا لَّنآ} لا يعني أنهم مؤمنون بالضرورة، للأسباب التالية :

 

أولاً :

. وردت كلمة (عباد) في سياقات عديدة في القرآن الكريم ومنها ما يدلّ على فسق هؤلاء العباد أو كفرهم، كما في الآيات التالية :

 

أ. {ءأنتُم أضللتُم عبادي هؤلاء أم هُم ضلّوا السبيل} الفرقان/17، وواضح أنهم ضالّون، ولا يقول أحدٌ بأنهم مؤمنون أو مهتدون .

 

ب. {قل يـٰعباديَ الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله} الزمر/ 53، فهم مسرفون على أنفسهم بالمعاصي .

 

ت. {نّهدي به من نشآءُ من عبادنا} الشورى/ 52، فهناك عبادٌ لم تحدث لهم الهداية، فهم ليسوا مؤمنين، ولفظ العباد في الآية يشمل غير المهتدين .

 

ث. {إنَّ عبادي ليسَ لكَ عليهم سلطانٌ إلا من اتَّبعكَ من الغاوين} الحجر/ 42، فالذين سيتَّبعون الشيطان هم عبادٌ أيضاً ولكنهم غاوون، ولا يقول أحدٌ بصلاحهم أو تقواهم، وذلك باعتبار الاستثناء متّصلاً غير منقطع، أي أن ما بعد (إلا) من جنس ما قبلها .

 

ثانياً :

. جاء في الحديث الصحيح الذي يرويه النوّاس بن سمعان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم :

(… إذ أوحَى اللهُ إلى عيسى :

إني قد أخرجت عباداً لي، لا يدان لأحدٍ بقتالهم فحرز عبادي إلى الطُّور …)، أي أنّ الله تعالى أخرج يأجوج ومأجوج الذين لا يقوى أحدٌ من البشر على قتالهم ومواجهتهم، لكثرتهم، وقوّتهم، ومعلومٌ لكل المسلمين أن يأجوج ومأجوج ليسوا مسلمين أو مؤمنين، ولكنهم عباد لله كما في الحديث .

 

ثالثاً :

. جاءت صفة البأس الشديد في غير سورة الإسراء لغير المؤمنين، كما في قوله تعالى :

{قالوا نحن أولوا قوة وأولوا بأس شديد والأمرُ إليكِ فانظري ماذا تأمُرين} النمل/33، فلا تقتصر صفة البأس الشديد على المؤمنين، فقد اتّصف بهذه الصفة جنود ملكة سبأ الكافرون الذين كانوا  يسجدون للشمس كما في الآية السابقة، وهو ما نجده أيضًا في قول الله تعالى في حق جنود نبوخذ نصر الوثنيين :

{بعثنا عليكم عبادًا لنا أولي بأس شديد} الإسراء/5

 

رابعاً :

. ذكر ابن عبد ربِّه في العقد الفريد أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب إلى سعد بن أبي وقاص ومن معه من الأجناد :

(واعلموا أن عليكم من مسيركم حفظةً من الله، يعلمون ما تفعلون، فاستحيوا منه، ولا تعملوا بمعاصي الله وأنتم في سبيل الله، ولا تقولوا : إن عدوّنا شرٌّ منا فلن يُسلّط علينا وإن أسأنا، فرُبّ قومٍ سُلّط عليهم شرّ منهم، كما سُلّط على بني إسرائيل لما عملوا بمساخط الله كفار المجوس، فجاسوا خلال الديار، وكان وعداً مفعولاً) .

 

. إن استشهاد عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالآية من سورة الإسراء يشير إلى أمرين :

 

أ. يعلم عمر رضي الله عنه أن الله تعالى قد سمَّى المبعوثين على بني إسرائيل لإزالة إفسادهم عبادًا له، كما في قوله تعالى عز وجل: (عبادًا لنا)، ولكنه في الوقت نفسه يقول عنهم:

(كفرة المجوس) .

 

ب. يعلم عمر رضي الله عنه أن الفساد الأول لبني إسرائيل كان قبل الإسلام، ولذا فهو يستشهد بما حدث لبني إسرائيل لما أتَوا مساخط الله .

 

▪. ومما سبق يتضح لنا أن المقصودين بقوله تعالى : (عبادًا لنا) لم يكونوا مؤمنين، بل كانوا أهل وثنية وكفرٍ وشرك، وهذا يؤكد القول بأن الإفساد الأوّل لبني إسرائيل في فلسطين قد حدث قبل الإسلام، ولم يكن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، أو في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أو بعد ذلك .

. إن قوله تعالى: (عبادا لنا)، يدل على أنهم خاضعون لإرادة الله تعالى فيهم، ليكونوا آلة تأديب وتهذيب لمن يخرجون عن الهداية، ويقعون في الفساد والإفساد، ولذا كانوا من أهل البأس الشديد، والقوة، والشجاعة، والجراءة، وهو ما يُستأنس به في ترجيح القول بأن هؤلاء العباد هم البابليون والأشوريون، وأن العامل المشترك بينهم وبين العباد الذين يسُوءون وجوه بني إسرائيل في وعد الآخرة هو أنّهم عبادٌ أولوا باأسٍ شديد، ولا شيء يمنع أن يكونوا في الوقت نفسه عبادًا مؤمنين، وهو ما نراه بأعيننا، ونشهده بأنفسنا في الأرض المباركة .

 

د. نصر فحجان – غزة

 

من كتابه/ وَعد الآَخِرَة_زوال لا إبادة

د. نصر فحجان

عميد‏ ‏كلية دار الدعوة والعلوم الإنسانية‏.. ومحاضر دراسات إسلامية - غزة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights