في موضعٍ من الأقصى لا يتصدّر المشهد، لكنه يحتفظُ بوقارٍ خفيّ، تقومُ قُبّةٌ تبدو كأنها صفحةٌ من تاريخٍ كُتِب بالحجر، ثم تُركت لتتكلّم وحدها… قُبّةُ موسى.
هي بناءٌ لا يتكلف الزينة، ولا يطلب الأنظار، لكنّ في صمته هيبةً، وفي بساطته عمقًا؛ كأنّ الأيوبيين — وهم يودّعون حضورهم في عمارة الأقصى — أرادوا أن يتركوا أثرًا أخيرًا، لا يُدهش بقدر ما يُذكّر، ولا يُبهر بقدر ما يُثبّت المعنى. فقد أنشأها الملك الصالح أيوب سنة ٦٤٧هـ، في زمنٍ كان فيه التاريخ يتقلب بين فقدٍ واسترداد، وكأن هذه القبة جاءت لتقول: إن البناء نفسه شهادة، وإن الحجر قد يكون موقفًا.

تقف القبة فوق مسطبةٍ تحمل اسمها، بين باب السلسلة والقبة النحوية، في موضعٍ يتوسّط الحركة دون أن ينشغل بها، كأنها تراقب الزمن وهو يمرّ من حولها. مربعٌ بسيطٌ تعلوه قبةٌ دائرية، بينهما رقبةٌ مثمنةٌ تصل الأرض بالسماء في انسجامٍ هادئ، وفي الداخل تنبثق الزوايا بمثلثاتها الركنية كأنها انحناءاتُ روحٍ لا زوايا حجر.
وفي جدارها الجنوبي محرابٌ يبرز قليلًا، كأنّه خطوةٌ متقدمة نحو القبلة، أو نداءٌ خافتٌ للصلاة، بينما تتوزع النوافذ في الجهات الأخرى لتسمح للضوء أن يدخل دون أن يفضح السكون. كلُّ شيءٍ فيها موزون، لا إسراف فيه ولا نقص، بل قدرٌ من التوازن يشبه حكمة العصور التي بنتها.
أما اسمها، فليس نصًا واحدًا، بل حكايات؛ قيل إنه لشيخٍ أقام فيها الصلاة، وقيل لأميرٍ أشرف على عمارتها، وقيل إن فيه صدى رغبةٍ أيوبيةٍ في التشبّه بمعاني موسى عليه السلام… وبين هذه الأقوال جميعًا يبقى الاسمُ أوسع من تفسيرٍ واحد، كأن القبة تأبى أن تُحصر في رواية، وتختار أن تبقى مفتوحة على التأويل.
ولم تكن هذه القبة موضعَ صلاةٍ فحسب، بل مجلسَ علمٍ وقضاء؛ هنا جلس القاضي، وهنا سُمعت الدروس، وهنا نُسخت المخطوطات، حتى إذا بلغ الزمنُ عصره الحاضر، عادت القبة إلى أصلها الأول: موضعًا لتعليم القرآن، كأنها تُعيد تدوير رسالتها في دورةٍ كاملة، من بناءٍ إلى علم، ومن علمٍ إلى عبادة.
هي قبةٌ لا ترفع صوتها،
لكنها تُبقي المعنى حيًّا…
قبةٌ تقول لك: إن بعض الأبنية لا تُقاس بما فيها،
بل بما مرّ بها،
وما بقي فيها من أثر الزمن…
وما بقي فيك منها بعد أن تمضي.


