بحوث ودراسات

صور وأوضاع.. الاتجاه المتنامي للكراهية مصدر الفساد في العالم

بقلم: د. محمد فرمان الندوي

تتصاعد موجة العداء والكراهية ضد الإسلام في هذه الآونة الأخيرة على الصعيد العالمي، وتظهر آثارها على المجتمعات الإنسانية بشكل مروع، وأحياناً تأتي هذه الموجة على الأسر والبيوت، وتسبب خسارات فادحةً، وكلما ازدادت هذه الموجة كانت نذير خطر، ومعول هدم وتخريب، لا وسيلة بناء وعمارة، لأن منشأ هذه العواطف النفس الأمارة بالسوء، ومصدر الحب والوفاء هو النفس المطمئنة، التي تنال لفتةً ربانيةً كل حين وآن.

الكراهية تُحدث الكراهية: فالكراهية الموجهة نحو الإسلام ليست وليدة يوم وليلة، وليست نبتةً بريةً أو حشائش شيطانية، تنبت من دون سماد أو رقابة، وليست عصا سحرية نجمت وظهرت من سحر الساحرين أو المشعوذين على أرض الواقع كلمح البرق أو هو أقرب، بل لها جذور وأصول ترجع إلى فجر التاريخ الإنساني، فكان هناك الرفض والإنكار من طاووس الملائكة، فطرده الله إلى النار للأبد، فكان شياطين الإنس والجن في زمان وكلاء لهذه الفكرة الإلحادية، وبدؤوا يكثفون جهودهم لترويج هذه البضاعة المزجاة،

وقد روجوا في القرن العشرين مصطلحاً جديداً يعرف بالإسلامو فوبيا Islam phobia (النفور والكراهية من الإسلام)، وكلمة “فوبيا” في القواميس العربية: “خوف وسواسي، لا معقول له من شيء ما”، وقد نال هذا المصطلح رواجاً عاماً بعد الحادي عشر من شهر سبتمبر عام 2001م، وقامت جبهة مثلثة تكونت من اليهودية والنصرانية والوثنية ضد الإسلام، ونشط لها أدعياؤها وزعماؤها، وبدؤوا يبذرون بذور العداوة والبغضاء في القلوب، حتى قال الرئيس الأمريكي جورج دبلو بوش بعد هجمات الحادي عشر من شهر سبتمبر: نحن نبدأ حروباً صليبيةً (Crusade) من جديد، واختلقوا لها أسماء ومسميات، ونحتوا لها حيلاً وتدابير ماكرةً كانت وبالاً على وجودهم.

وقد ظهرت نتائج هذه المحاولات في البلدان الغربية أولاً، فكان الخوف والذعر والدهشة من الإسلام يسود كل مواطن من مواطني أوربا، وبدأ الناس يتعرضون للهجوم المباغت في المطارات والقطارات والشوارع العامة، وجعلوا يسيئون إلى القرآن الكريم وذات الرسول صلى الله عليه وسلم، كما يصنعون صوراً كاريكاتيريةً جرحاً لمشاعر المسلمين، ومما زاد الأمر تفاقماً أن الإعلام الغربي أشعل فتيل هذه المحاولات وأصبحت وقوداً وزيتاً لها، وجعل يخلط الحابل بالنابل، والصحيح بالسقيم، فكانت الكراهية والنفور من المسلمين على قدم وساق، وكان لها دوي وصدى على جميع المستويات

لكن كما يقول المثل العربي: “رب ضارة نافعة” قام رجال غيارى من أوربا وأمريكا ودرسوا الموضوع دراسةً واعيةً، وتعمقوا في ثنايا هذه الدعايات الجوفاء، فأعجبوا بتعاليم الٱسلام، وبدؤوا يعتنقون الإسلام ويدخلون فيه أفواجاً من الرجال والنساء، والفقراء والأثرياء، ولا تزال تطبع أنباء موجة الهداية والرشاد إلى الإسلام في الصحف والمجلات العالمية، وتنشر عبر وسائل وأجهزة الإعلام، ونشأت اتجاهات إيجابية للإسلام والمسلمين، حتى نشأ فيهم مارتن لوثر (Martin Luther King Jr) الذي استنكر هذه الفكرة الزائفة، وقال قولته البليغة: Hate Breed Hate (الكراهية تُحدث الكراهية)

الإنسانية أقوى من الكراهية:

ومن أبرز أمثلة الإسلاموفوبيا قتل خمسين مصلياً يوم الجمعة في مسجد النور بمدينة كرايستشيرش في جنوب نيوزيلندا في الخامس عشر من شهر مارس عام 2019م، وكان هذا الهجوم من أحد المسيحيين الشباب الذي أوقع خمسين شهيداً من المصلين، وجرح عشرات منهم، واعتبرته رئيسة الوزراء جاسندا آردن عمليةً إرهابيةً، هذا الواقع كان موجعاً ومفجعاً، بحيث جعل اليوم الخامس عشر من مارس كل عام رمزاً وشعاراً لرفع الإسلامو فوبيا من العالم، وسمي ذلك اليوم اليوم العالمي لمكافحة كراهية الإسلام، وقد دعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى التمسك بقيم المساواة والكرامة، وقال: الإنسانية أقوى من الكراهية، وأكد قائلاً إن ظاهرة التعصب ضد المسلمين تتنامى، وهي تتجسد في إجراءات التصنيف العنصري، والسياسيات التمييزية المنتهكة لحقوق الإنسان وكرامته، والعنف ضد الأفراد ودور العبادة.

ومما يستغرب أن الهند قد نشأت فيها فئات وجماعات تركز على العصبيات الدينية وتجعلها ذريعةً للتوصل إلى السياسات المغرضة، فكانت تحاول منذ مدة فرض قيود وعوائق على شعائر الإسلام ومقدساته، وقد ظهرت كراهيتها للإسلام حين قدمت مشروعاً نحو الأراضي الوقفية تستهدف من خلاله السيطرة الكاملة على هذه الأراضي الوقفية من المساجد والمدارس والمقابر والمقدسات الدينية، رغم أن الوقف في الهند ظل موجوداً منذ العهود الإسلامية، وحينما استولى الاحتلال الإنجليزي على الهند، وأرادت أن تحتكر هذه الأراضي احتكاراً  كاملاً، فتظاهر المسلمون ضد ذلك بطول الهند وعرضها، واحتجوا احتجاجات موسعةً، حتى اضطرت الحكومة إلى إبقاء هذه الأراضي على حالتها السابقة، وذلك في سنة 1937م، وجرت بعد تحرير الهند من أيدي الإنجليز تعديلات في قانون الوقف أمثال تعديلات 1995م، لكنها كانت في صالح الأراضي الوقفية، أما المشروع الجديد الذي جاءت به الحكومة الحالية في الهند تخالف بنوده قانون الشريعة الإسلامية في الوقف.

علامة فارقة للكراهية:

ومن المفارقات العجيبة أن المشروع الحالي يجعل الأراضي الوقفية ملكاً لجماعة أو فرد أو رئيس بلدية، رغم أن القانون الإسلامي يقول: إن الوقف لا يُباع ولا يُوهب ولا يُشترى، ويكون ملكاً لله، والمشروع الحالي لا يسمح بإطلاق الوقف شفوياً، رغم القانون الإسلامي يقول: يجوز أن يقف الواقف أراضيه شفوياً، والمشروع الحالي يبين أنه لابد للواقف أن يكون مسلماً منذ خمس سنوات، فلا يجوز للمسلم الذي اعتنق الإسلام قبل سنة أن يوقف أرضه لله، رغم أن القانون الإسلامي لا يلزم الواقف بمثل هذه الشروط والقيود، والمشروع الحالي يسمح بتعيين عضوين من غير المسلمين في لجنة الوقف، والقانون الإسلامي يفرض أن يكون جميع أعضاء لجنة الوقف مسلمين مؤمنين بالله، وقد بدأت هيئة قانون الأحوال الشخصية للمسلمين لعموم الهند حملةً كبيرةً ضد هذا المشروع، فقد أرسلت من قبل آراء المسلمين إلى الحكومة إلكترونياً، وبدأت الآن نظام المظاهرات والاحتجاجات وهي أقوى طريق للحصول على الحقوق في البلدان الجمهورية، لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً.

إن تنامي اتجاه الكراهية والنفور من الإسلام هو مصدر الفساد في العالم، فبذلك تتوتر العلاقات، وتقل نسبة الحب والألفة التي أودعها الله تعالى في قلب كل إنسان، وقد سمي الإنسان إنساناً لألفته، ومشاطرة أحزان أخيه وعشيرته، فالحاجة إلى أن تزول هذه العوائق والحواجز لتنامي الكراهية لا يمكن إلا باللقاءات المتكررة، والزيارات المتبادلة، وتطبيق ما وضع الإسلام من نظام الاجتماع والمودة والمناصحة على المجتمع الإنساني، وغض البصر عن مواضع الضعف وسقطات  البشر، قال الله تعالى: (وَٱعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ)  [آل عمران: 103].

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights