بدأت الدراسات التاريخية الحديثة تتجه إلى الاهتمام بالجانب الاجتماعي عند تناول تاريخ مصر، بدلاً من الاقتصار على الجوانب السياسية والعسكرية وحدها .
يأتي هذا الكتاب ليسلط الأضواء على الجوانب المختلفة للمجتمع المصري في مرحلة من أهم المراحل التاريخية التي مرت بها مصر، ألا وهي المرحلة العثمانية .
ولعل من الواضح أن مصر ظلت محتفظة بطابعها الاجتماعي في تلك المراحل بصرف النظر عن الحاكم وأصله واسمه ولون بشرته .
يركز الكتاب على فكرة مهمة، وهي أن ما فرض على الذميين من ضرائب متنوعة كان ضمن إجراءات مالية عامة شملت جميع فئات الشعب، وأن الضغوط المالية التي سماها بعض المؤرخين بالمظالم قد وقعت على المصريين جميعاً، مسلمين وأهل ذمة .
تلخيص الكتاب
يقدم كتاب صفحات مطوية من تاريخ مصر العثمانية رؤية اجتماعية للتاريخ المصري في العصر العثماني.
يركز المؤلف على حياة الناس العاديين من مختلف الفئات والطوائف، بعيداً عن الاقتصار على أخبار السلاطين والولاة.
يعرض الكتاب كيف كانت الضرائب والمظالم المالية تقع على جميع المصريين، دون تمييز بين مسلم وذمي .
ويوضح أن النظام المالي العثماني كان يفرض أعباءه على كافة فئات الشعب، وإن تفاوتت هذه الأعباء من فئة إلى أخرى.
يعد الكتاب محاولة جادة لتقديم قراءة اجتماعية للتاريخ، تنقل القارئ من مستوى الأحداث السياسية إلى مستوى الحياة اليومية للناس.
أهم فصول الكتاب ومضمونها
ينقسم الكتاب إلى عدة محاور رئيسية تتناول جوانب مختلفة من الحياة في مصر العثمانية.
يتناول الكتاب وضع أهل الذمة في العصر العثماني، ويورد تفاصيل دقيقة عن القيود المفروضة عليهم في الملابس والمراكب والحمامات .
ويذكر المؤلف أن المنادي نادى في بلاد مصر يوم 26 يناير 1649: “لا يركب النصارى خيولاً، ولا يلبسون شدوداً حمراء، ولا طواقي جوخ حمراء ولا مراكيب، وإنما يلبسون شدوداً زرقاء طول الواحد عشرون ذراعاً” .
ويبين الكتاب أن الدولة العثمانية كانت تصدر بين الحين والآخر أوامرها بأن يلتزم أهل الذمة بتلك القيود التي فرضت عليهم منذ الفتح الإسلامي .
وقد ورد في كتب الحنفية: “ويميز الذمي في زيه ومركبه وسرجه، ولا يركب خيلاً ولا يعمل بسلاح”
ويضيف الكتاب أن أهل الذمة حرم عليهم دخول الحمامات العامة دون أن يميزوا أنفسهم بصليب من الحديد أو الرصاص أو النحاس في رقابهم، كما حرم عليهم ركوب الخيل إلا أنه أجيز لهم ركوب البغال والحمير بالأكف عرضاً .
ويتناول الكتاب أيضاً الجوانب المالية والضريبية، موضحاً أن الضرائب والمظالم وقعت على المصريين جميعاً .
اقتباسات من الكتاب
من الكتاب: “بدأت الدراسات التاريخية منذ زمن ليس ببعيد تتجه إلى الاهتمام بالجانب الاجتماعي عند تناول تاريخ مصر بالبحث والدراسة” .
ومن الكتاب أيضاً: “ما فرض على الذميين من ضرائب متنوعة كان ضمن إجراءات مالية عامة شملت جميع فئات الشعب” .
ويقول المؤلف: “الضغوط المالية التي سماها بعض المؤرخين بالمظالم قد وقعت على المصريين جميعاً، مسلمين وأهل ذمة” .
ويذكر نصر في سياق حديثه عن قيود أهل الذمة: “كان ذلك التمييز بين الناس تبعاً لأديانهم أمراً ضرورياً في ذلك الوقت، وكان أهل الأديان أنفسهم حريصين عليه، وكانت الملابس المتميزة هي الوسيلة الوحيدة لمعرفة دين كل من يرتديها” .
أهم أقوال الكتاب
يؤكد الكتاب أن تاريخ مصر في العصر العثماني لا يمكن فهمه دون النظر إلى أحوال الناس العاديين.
ويشدد على أن الضرائب والمظالم لم تكن موجهة ضد طائفة بعينها، بل كانت سياسة مالية عامة .
ويرى المؤلف أن المجتمع المصري حافظ على هويته وطابعه رغم تغير الحكام .
ويدعو الكتاب إلى قراءة التاريخ من منظور اجتماعي، وليس سياسياً فحسب.
ويبين أن فهم تاريخ الفترات الصعبة يساعد في فهم الحاضر واستشراف المستقبل.
أهمية الكتاب
يكتسب هذا الكتاب أهمية خاصة لعدة أسباب.
فهو من الكتب القليلة التي تتناول الجانب الاجتماعي لتاريخ مصر العثمانية بالتفصيل .
ويقدم رؤية متوازنة لا تتحيز لطائفة دون أخرى، بل تعرض الصورة كاملة .
كما أنه يسد ثغرة في المكتبة التاريخية العربية، حيث أن معظم الدراسات ركزت على الجوانب السياسية.
ويعد الكتاب مرجعاً قيماً لباحثي العلوم التاريخية بصورة خاصة، وللآثار والجغرافيا ومعظم تخصصات العلوم الإنسانية على نحو عام .
كما أنه يفيد القارئ العادي الذي يريد فهم تاريخ مصر في تلك الفترة المهمة.
نقد الكتاب
من الملاحظ أن الكتاب صغير الحجم نسبياً، إذ يقع في 119 صفحة فقط .
وهذا قد لا يكون كافياً لتغطية موضوع واسع مثل تاريخ مصر العثمانية بجميع جوانبه.
كما أن بعض الموضوعات تحتاج إلى تفصيل أكثر، خاصة فيما يتعلق بالجوانب الاقتصادية والثقافية.
وقد يجد القارئ أن الكتاب يركز أكثر على الجوانب المالية والضريبية على حساب جوانب أخرى.
ومع ذلك، فإن الكتاب يظل إضافة مهمة للمكتبة التاريخية العربية.
كتب مشابهة
من الكتب المشابهة التي تتناول تاريخ مصر العثمانية، كتاب “تاريخ مصر من الفتح العثماني إلى قبيل الوقت الحاضر” لعمر الإسكندري وسليم حسن .
وهو كتاب موسوعي يغطي فترات طويلة من تاريخ مصر، ويعد مصدراً أساسياً لكل من يريد دراسة تلك الحقبة.
كما هناك كتاب “صفحات من تاريخ مصر” لعدد من المؤلفين، والذي يضم مجلدات متعددة تغطي عصوراً مختلفة .
ومن الكتب أيضاً “تاريخ مصر الحديث” لجرجي زيدان .
ربط الكتاب بالواقع الآن
رغم أن الكتاب يتناول فترة تاريخية بعيدة، إلا أن موضوعاته تظل ذات صلة بالحاضر.
فما زالت قضية الضرائب والأعباء المالية على المواطنين قضية حية في معظم الدول العربية.
وما زال الجدل حول العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وحقوق المواطنين، مطروحاً في واقعنا المعاصر.
كما أن فكرة أن السياسات المالية قد تضر بجميع فئات الشعب، وليس بطائفة دون أخرى، فكرة مهمة في زماننا أيضاً .
ويدعو الكتاب بشكل غير مباشر إلى ضرورة قراءة التاريخ لفهم الحاضر، وعدم تكرار أخطاء الماضي.
سيرة المؤلف وجنسيته وكتبه
المؤلف هو موسى موسى نصر، وهو باحث وكاتب مصري .
صدر كتابه “صفحات مطوية من تاريخ مصر العثمانية” عن مكتبة الأسرة بالقاهرة عام 1998 .
والكتاب منشور في طبعة أولى، ويقع في 119 صفحة .
ويعد الكتاب من إصدارات المكتبة الثقافية التي تصدر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب .
الكتاب في ميزان الإسلام
من منظور إسلامي، يقدم الكتاب نظرة متوازنة لتاريخ مصر في العصر العثماني.
فهو لا يتحيز لطائفة ضد أخرى، بل يبين أن الضرائب والمظالم وقعت على جميع المصريين .
وهذا يتوافق مع مبادئ العدل الإسلامي التي تقرر أن الناس سواسية في الحقوق والواجبات.
كما أن الكتاب يدعو إلى قراءة التاريخ بموضوعية، وهذا مطلب إسلامي أيضاً.
ويمكن القول إن الكتاب يساهم في فهم تاريخ أمة إسلامية عريقة، وهو أمر محمود.