ليس كلّ صارخ صادقًا.. لهذا كتب أبو حامد الغزالي -رحمه الله- كتابه إحياء علوم الدين!
إنما خديعة الأمّة جاءت من بناء تصوّرات القوميّين والعلمانيّين لهذه الأمّة بتحديد التصوّر الكليّ لها بناءً على أخطار حقيقيّة -وإن توافقت مع بعض كليات هذا الدين- لتعصف وتؤخّر باقي كلياته وتحتفظ لهم بالريادة والقيادة وتوجيه الجهود حيثما أرادوا.
ولن ينصلح حال هذه الأمّة حتى يتولّى صُنّاع رؤيتها للمستقبل من الدين بكلياته وفروعه، ويُحاط بمكروهاته ومندوباته، وتُحدّد أولوياته كما هي، وكما كانت في جيله الأول والثاني والثالث نفسه، وليس ردّات الفعل لبعض المخاطر، وإن كانت فادحة ومزمنة.
وكل تصوّر يبدأ وينطلق من ثقب أو علة ما مهما كان خطرها ليصبح تصور كليّ يُحدَّد بناءً عليه مشروع الأمّة وما يجب أن تسير فيه كل الجهود هو تصور يجافي الحقيقة لهذا الدين.
وإنما التصوّر الكلي للأمّة ينبع من مقاصد الدين نفسه وكلياته وفروعه؛ فالتصوّرات الصحيحة هي ما تنبع من الدين حتى المخاطر لم تكن هملًا في الشريعة والنصوص بل يحفل بها الكتاب والسنة، وحتى ترتيب أولوياتها بانضباط حتى لا تجنى على غيرها من المخاطر، وتحتل مكانتها المناسبة فلا تغض النظر عن غيرها ولا تواريه خلفها، وحتى ضبطها لا يجعلها تتقدم على ما هو أولى منها، فضلًا عن النصّ على المنافع والمصالح كلًّا على حدة.
وما إن دخل العلمانيون والقوميون واحتلوا صناعة التصوّرات للأمّة، وعبثوا بها وبأولوياتها باستنهاضهم الناس لدفع مخاطر دون مخاطر، وتحقيق منافع دون منافع، وتحصيل مصالح دون مصالح؛ سلَّم الناس لهم القيادة، وتمّ خداعهم.
وهذا كان ردى على مَن ينقلون المخاطر والأولويات ممن نقلوها لهم، فتمّ خداعهم والتحقوا بهم -ربما مخلصين-، ولكنهم سيندمون في نهاية الطريق، فلا خطر دفعوا ولا منافع حافظوا ولا مصالح حققوا.
فليس كل صارخ صادقًا، ولا كل مستنهض منا واستصرخ الشيطان موسى على لسان رجل من بني إسرائيل، ولكنه قال له -عليه السلام-: “إنك لغوي مبين”.






