التقويم، الاعتدال، الاستواء، التناسق، والتمييز في خلق الانسان.
بينما الإنسان ليس معصومًا من زللٍ ولا بريئًا من خللٍ من الجانب الإدراكي والعاطفي والنفسي، الذي يوثر بدوره على الانفعال السلوكي.. بيداَ أنَّ مُحكم التنزيل يوثق لنا ويقرر مؤدّيات ترتبط بمعنى دامغ بعظمة خلقة الانسان من الجانب الفيزيائي، فخصها بالتقويم والتناسق والاستواء والاعتدال والعقل والتَميِيز.. وقد تجلت هذه المعاني في آيات عدة من القرآن الكريم (لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان في أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) الآية 4 من سورة التين، (في أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ) الآية 8 من سورة الانفطار، (مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ) سورة الملك الآية 3، (الذي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ) من سورة الانفطار الآية 7.. يستبان مما سلف من الآيات التأكيد الجامع الوجيز، أن الانسان أقوى كائن بيولوجي في الكون، وكيف هي التسوية في كامل أعضاءه، والتعديل والتقويم بلا خِداج في بنيته، وكيف هو التناسق والتناسب بلا تفاوت بين اعضاءه.. ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بالأحرى أودع في جملة البدن آلية الاستشفاء الذاتي دون تدخل من خارجه، ويؤكده القرآن الكريم في قوله تعالى على لسان الخليل إبراهيم عليه السلام (وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ) الآية 80 من سورة الشعراء.. (وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) من الآية ١٨٤ سورة البقرة، جدير بالإشارة ان الصوم الإسلامي من الاهمية بمكان في تسريع وتعزيز الاستشفاء الذاتي.. وجِدَ أن (آلية الاستشفاء الذاتي self healisation mechanisms) تلك تمثل معضلة يتجاهلها ممارسي الطب الحديث مما يُدخِل الجسد في إرباك بيولوجي وفسيولوجي، ذلك أن “ما يشفيه الجسد نفسه” “لا يمكن للمرء علاجه”.. لذا ينظر المعالج (الحافظ) للخطوط الاسترشادية (Dietary Guidelines)، ومصانع الادوية الكبرى (Big Pharma) لميكانزم الاستشفاء الذاتي للجسم على انه منافس لرأسمالية الطب الحديث، هذا المعنى بالتحديد ما استولدته سنين خبرة الطبيب الألماني جيرد رويتر (Gerd Reuther) صاحب كتاب المريض الخدوع (Der betrogene Patient) الذي أشرنا إليه في الجزء الثاني.. ومن ثَمَّ نجد الكثير من الادوية تعوق عملية “الاستشفاء الذاتي” بل وتُنّتِج المزيد من الأعراض في أعضاء اخرى من الجسد، ومن هنا جاءت المقولة الألمانية الشعبية (Wer glaubt dass die pharmaindustrie die Gesundheit der Menschen zum Ziel hat. Der glaubt auch, dass die Rüstungs industrie der Weltfrieden zum Ziel hat.) بمعنى ” من يعتقد، ان صناعة الأدوية تهدف إلى صحة الناس.. يعتقد أيضًا، ان صناعة الأسلحة لديها هدف السلام العالمي” وهذا ما سنُعرِّج علية في السطور القليلة القادمة.
الستاتينات وكتاب اسطورة الكوليسترول الكبرى.
سنحاول ذكر الادوية كثيفة التناول ذات الشهرة قدر الامكان، ثم نشير اجمالاً للخطورة المترتبة من تناولها على البدن.. ونستهل بأدوية (الستاتينات Statin) التي تُعْطىَ لمن يعانون ارتفاع (الكوليسرول Cholesterol) في الدم، وسنستشهد بما جاء في ثنايا كتاب ” اسطورة الكوليسترول الكبرى The Great Cholesterol Myth ” للطبيبين ” جوني بودين Jonny Bowden “و “ستيفين سيناترا Stephen Sinatra “، انها ادوية سامة تشبه الزرنيخ الذي يسمم تدريجيًا مع الوقت، وان عمل “الستاتين” لا تقتصر على خفض الكوليسترول فقط في الدم بل تخفضه في “الدماغ” الذي يحتوي على 25 بالمائة من وزنه على “الكوليسترول”، ويُعد الكوليسترول جزءاً حيويًا من أغشية خلايا الدماغ، كما يلعب دوراً حاسماً في نقل النواقل العصبية.. أدوية “الستاتين Statin ” تُوقِف فاعلية تواصل خلايا الدماغ بعضها مع بعض، تُضعف التواصل الخلوي، كما تؤثر على الإدراك والذاكرة وعلى وظائف معالجة البيانات في الدماغ.
الستاتينات واستنزاف مخزون انزيم كيو 10.
تؤدي أدوية “الستاتين Statin ” بشكلٍ كبيرٍ الى استنزاف مخزون الجسم من الانزيم المساعد ” كيو 10. COQ10″، وهو مركب شبيه بالفيتامينات يوجد في كل خلية في جسم الإنسان.. عند انخفاض مستويات “كيو 10. COQ10) تتدهور الصحة العامة، ذلك لأنه يُستخدم في المسارات الايضية المنتجة للطاقة، ومكافح للضرر التأكسدي الناتج عن الجزور الحرة ، كما يحمي اغشية الخلايا والبروتينات والحمض النووي، تم توصيف انزيم ” كيو 10. COQ10″ بأنه شرارة الحياة.. ومن المثير للدهشة أن “القلب” يحتوي على أكبر تركيز من ” كيو 10. COQ10″، وهذا يُعني أن أدوية “الستاتين Statin ” تضر بالقلب وبالعضلات الهيكلية التي تعتمد على انتاج الطاقة.. (ومن المفارقات ان أدوية السيتاتين التي تسبب انخفاضًا في مستويات انزيم ” كيو 10″ تُعطى للوقاية من أمراض القلب!).
الستاتينات وعلاقتها بتدمير الميكروبيوم في الأمعاء والهرمونات الجنسية.
وجِدا أن أدوية “الستاتينات Statin ” تقوم بتدمير “الميكروبيوم Microbiome ” في الأمعاء، والسبب أن الكوليسترول مُسبق لإنتاج “الاحماض الصفراوية Bile Acids ” وتناول ادوية الستاتينات تُغيّر من تركيب وحجم تجمع الاحماض الصفراوية التي تلعب دورًا كبيرًا في تشكيل ميكروبيوم الأمعاء.. ويجدر الإشارة الى أن ادوية الستاتينات تعمل على الضعف الجنسي لدى الرجال، لان الغدد التناسلية تحتاج الى الكوليسترول لإنتاج الوقود الهرموني اللازم لاستمرار الحياة الجنسية.. فجميع الهرمونات الجنسية الرئيسية مثل “التستوستيرون Testosterone ” وهو هرمون “سائد لدى الرجال ومتنحي عند النساء”، “البروجسترون Progesterone ” “الاستروجين Estrogen ” هرمون “سائد لدى النساء ومتنحي عند الرجال” تأتي جميعها من “الكوليسترول Cholesterol “، كما جاء في الكتاب المُشار إليه سلفًا أن الدراسات اثبتت أن “كرستور crestor ” أحد أشهر ادوية الستاتينات (يزيد من خطر الإصابة بضعف الانتصاب بما لا يقل عن ضعفين إلى سبعة أضعاف)، جدير بالإشارة، ان الباحث الفرنسي “مشيل دي لوجيريل” “Michel de Lorgeril” وهو طبيب قلب واخصائي تغذية وباحث استقصائي قد خصص كتابًا كاملاً تحت عنوان (جريمة جنسية شبه مثالية: الستاتينات ضد الكوليسترول) أوجز فيه كيفية عمل “الستاتينات” “Statin” في إفساد الحياة الجنسية.. وقد قدم حُجج دامغة مدعومة بإثنين وتسعين مرجعًا من مجلات وكتب أكاديمية مُحكمة.
الستاتينات والتأثير غير المباشر على هرمون الأوكسيتوسين.
ثمة هرمون ينتج في الدماغ، هرمون الحب أو (الأوكسيتوسين Oxytocin)، في الواقع لا يُصنع هرمون الاوكسيتوسين من الكوليسترول، لكنه يصل الى الأعضاء المستهدفة عبر مستقبلات خلوية تعتمد اعتمادًا كبيرًا على الاغشية الغنية بالكوليسترول.. مما يعني ان انخفاض “الستاتينات” للكوليسترول يتداخل مع قدرة هرمون “الأوكسيتوسين” على الوصول الى وجهته وتحقيق هدفه، وهدف الهرمون المُشار اليه الذي ينتجه الرجال والنساء معًا، لكن مستوياته مرتفعة لدى النساء أكثر.. يرتفع هرمون “الاوكسيتوسين للغاية لدى المرأة اثناء الولادة والرضاعة، لان احدى وظائفه مساعدة الام على الارتباط بالطفل، وعندما تُحتَضن بعد العلاقة الحميمية فإنها تُغمر بهرمون الحب للشعور بالرضا.. كما أوضح الطبيبين في كتابيهما الذي أشرنا اليه آنفاً.
الستاتينات والتأثير غير المباشر على هرمون السيروتونين.
تتداخل ادوية الستاتينات مع مستقبلات “هرمون السيروتونينserotonin hormone “في الدماغ على غرار “هرمون الأوكسيتوسين Oxytocin ” الذي يعتمد على مستقبلات خلوية معتمدة على الاغشية الغنية بالكوليسترول للوصول للخلايا.. وانخفاض الكوليسترول يعيق بدوره وصول السيروتونين إلى وجهته، مما يؤثر على دور السيروتونين الفسيولوجي في المشاعر والاسترخاء والرضا والسعادة والمزاج.
لم ينتهي الحديث عن أدوية الستاتينات.. فالأمر بالغ الخطورة حد العبث باسم التطبيب والمداوة، ثمة مؤشرات مقلقة على ان أدوية الستاتينات قد يرتبط تناولها بارتفاع خطر الإصابة بالسرطان والسكري من خلال باحثون مرموقون وهذا ما سنُعرّج عليه لاحقًا في الجزء التالي ان شاء الله.


