بحوث ودراسات

محمد نعمان الدين الندوي يكتب: الشعر الصامت

على مائدة العلم والأدب:

الشعر شعران.. أحدهما: الشعر -بالمعنى الاصطلاحي المعروف- الذي أشاد ببعضه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم قائلًا: «إن من الشعر لحكمة»، والذي يحفل به تراثنا العريق، ويسمى: «ديوان العرب»، ونبغ فيه من نبغ من أسلافنا الأماجد في جميع العصور، ممن سموا: «فحول الشعراء». أو: «أعلام الشعر»، الذين احتفى الزمان بكلامهم، وخلدت الأجيال أشعارهم، وحفظتها الأمة في صدورها وصحائفها، وتوارثتها كابرًا عن كابر، فهذا النوع من الشعر ليس موضوع حديثنا الآن، فهو -الشعر بالمعنى المعروف- قد نضج واحترق، وقتل بحثًا وشرحًا.

ولكن الذي يعنينا هنا.. هو نوع آخر من الشعر… ما انتبه إلى الحديث عنه أو لفت الأنظار إليه إلا القليلون، مع أنه شعر طبيعي.. -إذا صح هذا التعبير- شعر محرر من أي صعوبة مدلولية أو عقدة لغوية، يحتاج فكها أو فهمها إلى مراجعة القواميس أو الشروح الكبار، أو المتخصصين، بل إنه شعر يتساوى في تذوقه وإدراك معانيه القارئ والأمي، الحضري والقروي، الكبير والصغير، ولعله -النوع المعنيّ من الشعر هنا- أقرب منالًا بالنسبة للقروي الذي كتب له القدرُ النصيبَ الأوفر من الإفادة منه، والتمتع به، ويا له من نصيب!

من هنا.. لا يُحتاج لتذوق روائع «هذا الشعر» إلى أي قدر من الثقافة والعلم، وإنما يكفي لذلك ذوق الإنسان الفطري وشعوره الموهوب الذي يكاد يوجد لدى كل أحد.

وقد أحسن ووفق حينما سمى بعض كبار الأدباء المعاصرين هذا النوع من الشعر بـ: «الشعر الصامت».. لأنه شعر لا يجري على اللسان، ولا تسمعه الآذان، ولكنه شعر يطالعه الوجدان، ويقرأه الذوق، ويتذوقه الشعور، وتنتعش بمطالعته طبيعة الإنسان، وتهتز وتطرب، وتخف روحه وتمرح وينشط ذهنه، وتتفجر قريحته، وينطلق لسانه، فيفيض بأروع شعر -بالمعنى المعروف- إذا كان شاعرًا، وبأبلغ كلام وأجمل بيان إذا كان ناثرًا، فكأن هذا الشعر الناطق -أو الكلام المنظوم -نفسه- امتداد لـ«الشعر الصامت» وفيوضه وبركاته بالإضافة إلى أسباب أو حوافز وروافد أخرى للشعر الناطق!

فلا عجب إذا كان هذا الشعر الصامت أبلغ من الشعر الناطق، وأعرق وجودًا، وأسبق زمنًا، وألطف مضمونًا، وأرق مدلولًا، وأعظم أثرًا، وأكثر مخاطبة لشعور الإنسان وروحه وذوقه قبل فكره وعقله وإدراكه.

فما هو هذا: «الشعر الصامت» يا ترى؟!

ذلكم: الفضاء الكبير العظيم… وجماله وسعته وامتداده إلى حيث يمتد البصر!

والطبيعة وحسنها وإحسانها، وبهاؤها وبهجتها، وأناشيدها ونغماتها، وألوانها ومظاهرها المختلفة المبثوثة في الأرض والسماء.

فالسماء بنجومها وكواكبها، وشموسها وأقمارها، والأرض ببحارها وأنهارها، والحقول بنباتها وخضرتها وأعشابها وبقولها، والمراتع بأنعامها وسوائمها، والبحار بأمواجها وسفنها التي تجري فيها، والحدائق والبساتين بثمارها وفواكهها، والأشجار الشجراء بحفيف أوراقها واهتزاز غصونها، وشواطئ الأنهار بمناظرها البهيجة وقت الصباح والمساء بصفة خاصة، ومنظر الأزهار الجميلة والثمار اليانعة التي حان قطافها، ونفحات النسيم العليل، وسجع الطيور وبكاء الحمائم، وتغريد البلابل والشحارير، ورفرفة العصافير بأجنحتها على أغصان الشجر، وتعالي زقزقاتها مائسة كأنغام الوتر، وتفَتُّح الزهور تحت ذرات المطر، وظهور الندى العذري بقطراته العطرية فوق الأوراق، و.. وغير ذلك الكثير من المناظر الطبيعية.. أليس كل ذلك شعرًا يا ترى؟

بلى! إنه شعر حقّا! فالشعر ما يجعل الإنسان يهتز ويطرب ويتجاوب ويتفاعل مع ما يسمع أو يقرأ!

أفليست هذه الروائع والبدائع من «آيات الطبيعة» المسطورة على صفحات الكون -التي يكاد يقرأها كل إنسان بعين حسه وبصر شعوره- لا تجعل الإنسان في طرب أي طرب، واهتزاز أي اهتزاز ؟ !

أفلا تهزه هزا، تهز كيانه ومشاعره معًا، أفلا تحيي فيه الموات وتجدد فيه البلى، وتبعث فيه الحياة والنشاط، وتنعش روحه، وتنشط عقله، وتحرك قريحته، وتفجر من ينبوع لسانه الحكمة الرائعة والبيان الساحر بكلا نوعيه: النثر والشعر؟!

هذا. ولقد اهتم الإسلام -بكونه دين الفطرة- بهذا النوع من الشعر -جمال الطبيعة- أيضًا، فاعتنى القرآن الكريم بتلبية هذه الحاسة الجمالية في الإنسان، فلفت الأنظار إلى مظاهر الجمال والزينة المبثوثة في رحاب الطبيعة الواسعة، واعتنى بتغذية هذا الحس في نفس الإنسان حتى يشعر بهذا الجمال في هذه الطبيعة، أو في هذا الكون، أو في الإنسان نفسه.. فيقول القرآن -مثلًا- وهو يشير إلى جمال الإنسان -أعظم مظهر لجمال الخلق الإلهي-: {لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم} (٥ / التين)، {وصور كم فأحسن صوركم} (٣ / التغابن)، {الذي خلقك فسواك فعدلك في أي صورة ماشاء ربك} ٧/ الانفطار.

بعد أن اطلعنا على اللفتات القرآنية إلى جمال: «الإنسان»، وبديع ترکیبه وحسن صورته.. تعالوا ننظر إلى هذه اللوحة الرائعة الحية التي يرسمها القرآن -بإعجازه وإيجازه- لجمال: «الحيوان».. للأنعام.. وهي تغدو وتروح بين مراعيها ومرابضها: {ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون} (النحل – ٦ )

إن القرآن ينشئ هذا الحس الذي يشعر بجمال هذه الفاتنات الساحرات من مناظر الكون المختلفة المبثوثة عبر الطبيعة.. إذا كان الإنسان يعجب بلوحة فنية رائعة يرسمها إنسان فنان، فكيف.. بهذه الأشياء حية متحركة.. وهو يراها غادية رائحة.. ثاغية راغية.. فالقرآن يلفتنا إلى ما في الأنعام من: جمال عند الإراحة في المساء وعند السرح في الصباح، جمال الاستمتاع بمنظرها فارهة رائعة صحيحة سمينة، وأهل الريف يدركون هذا المعنى بأعماق نفوسهم ومشاعرهم أكثر مما يدركه أهل المدينة.

وفي الخيل والبغال والحمير تلبية للضرورة في الركوب، وتلبية لحاسة الجمال في الزينة: {لتركبوها وزينة} (النحل – ۸ ).

وهذه اللفتة لها قيمتها في بيان نظرة القرآن ونظرة الإسلام للحياة، فالجمال عنصر أصيل في هذه النظرة، وليست النعمة هي مجرد تلبية الضرورات من طعام وشراب وركوب، بل تلبية الأشواق الزائدة على الضرورات، تلبية حاسة الجمال ووجدان الفرح والشعور الإنساني المرتفع على ميل الحيوان، وحاجة الحيوان. (۱)

ولننظر -كذلك- إلى اللفتة القرآنية الأخرى.. إلى جمال الطبيعة: {ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح} (فصلت / ۱۲) {وزيناها للناظرين} (الحجر /١٦).

يقول سيد قطب: «وهي لفتة هنا إلى جمال الكون -وبخاصة تلك السماء- تشي بأن الجمال غاية مقصودة في خلق هذا الكون، فليست الضخامة وحدها، وليست الدقة وحدها، إنما هو الجمال الذي ينتظم المظاهر جميعًا، وينشأ من تناسقها جميعًا.

وإن نظرة مبصرة إلى السماء في الليلة الحالكة، وقد انتثرت فيها الكواكب والنجوم، توصوص بنورها، ثم يبدو كأنما تخبو، ريثما تنتقل العين لتلبي دعوة من نجم بعيد.. ونظرة مثلها في الليلة القمرية والبدر حالم، والكون من حوله مهوّم كأنما يمسك أنفاسه لا يوقظ الحالم السعيد.

إن نظرة واحدة شاعرة لكفيلة بإدراك حقيقة الجمال الكوني، وعمق هذا الجمال في تكوينه». (۲)

وفي آية أخرى يتحدث القرآن عن جمال الحدائق والبساتين: {فأنبتنا به حدائق ذات بهجة} (٦٠ / النمل).

نعم! حدائق بهيجة ناضرة حية جميلة مفرحة.. ومنظر الحدائق -بما فيها من الأشجار والأزهار والثمار- يبعث في قلب الإنسان البهجة والسرور والنشاط والحيوية، وتأمُّلُ هذه البهجة والجمال الناضر الحي الذي يبعثها كفيل بإحياء القلوب، وتدبر آثار الإبداع في الحدائق كفيل بتمجيد الصانع الذي أبدع هذا الجمال العجيب، وإن تلوين زهرة واحدة وتنسيقها ليعجز عنه أعظم رجال الفنون من البشر، وإن تموج الألوان وتداخل الخطوط وتنظيم الوريقات في الزهرة الواحدة ليبدو معجزة تتقاصر دونها عبقرية الفن في القديم والحديث. (۳)

ويتحدث القرآن عن جمال مظهر آخر من مظاهر الكون وهو البحر، فیقول: {وهو الذي سخر لكم البحر لتأكلوا منه لحمًا طريًّا، وتستخرجوا منه حلية تلبسونها، وترى الفلك…} (النحل / ١٤)

انظروا إلى التعبير عن الفلك الذي يشي بتلبية حاسة الجمال لا لمجرد الركوب والانتقال.. فمرة أخرى نجد أنفسنا أمام التوجيه القرآني العالي إلى الجمال فی مظاھر الکون، بجانب الضرورۃ والحاجة، لنتملی ھذا الجمال ونستمتع به، ولا نحبس أنفسنا داخل حدود الضرورات والحاجات. (٤)

فإن هذا الجمال المترقرق في سماء الكون وأرضه، وناطقة وصامتة، ومتحركة وساكنة، إنما هو مرآة نقية صافية ننظر فيها، فنرى وجه الله الكريم مشرقًا متلألئًا، فنخر بين يديه ساجدين، ثم نصغى إليه لنستمع إلى وحيه، فنسمعه يقول لنا: «أيها الناس إنما خلق لكم الجمال متعة لكم فتمتعوا به، وإنما خلقتم حياة للجمال فأحيوه». (٥)

فاهتمام القرآن الكريم بتلبية الحاسة الجمالية لدى الإنسان ودعوته إلى الاستمتاع بجمال الطبيعة من أجل أن يرى -في جمالها- جمال من أبدعه وكماله: {صنع الله الذي أتقن كل شيء} (النمل ۸۸).

 من ھنا.. قالوا: هناك كتابان أو قرآنان..

أحدهما: القرآن المسموع المقروء، المتعبد بتلاوته، والمطلوب تدبره وفهمه وتفسيره وتطبيقه، وهو كلام الله المعجز البليغ الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد.

والثاني: القرآن المحسوس المشاهد المتمتَّع برؤية مناظره ومباهجه وروائعه، وهو هذه: «الطبيعة» التي صاغتها يد المبدع الخلاق العظيم، وقد عرّفها الإمام الغزالي بأنها: «الأسطر الإلهية المكتوبة على صفحات الموجودات»، كما عرفها البعض الآخر بأنها: «المصحف الكبير الذي تلاه الحق علينا تلاوة حال، كما أن القرآن تلاوة مقال».. فإذا كان المسلم داخل روضة من رياض هذه الطبيعة، وأخذ في صلاة له، فقد جمع بین قرآنين، قرآن يقرأه ويتدبره، وقرآن حسي آخر يتمتع به ويفرح برؤيته ومطالعته روحه وقلبه، هنالك.. يجتمع جلال الآية البيانية المعجزة مع روعة الآية الحسية المخلوقة المبدعة، فيكون هناك اتساق وائتلاف، ويكون هناك جمع لطيف بين إحساس عميق بروح التعبد ولذة المناجاة والتمتع بالآيات الكونية ومظاهر الطبيعة المنتشرة على الأرض.

 الهوامش:

(۱) في ظلال القرآن للسيد قطب: تحت تفسير الآية /٦ / النحل.

(۲) نفس المصدر، الآية ١٦ / الحجر.

(۳) بتعديل يسير من المصدر السابق (النحل / ٦).

(٤) نفس المصدر – بتعديل – في تفسير الآية /١/٤ / النحل.

(٥) العبرات للمنفلوطي ص ٣٧.

(السبت: ٢١ من رمضان المبارك ١٤٤٦ھ = ٢٢ من مارس – آذار – ٢٠٢٥م)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights