أعلنت الحكومة اللبنانية أن الجيش سيبدأ عملية تهدف إلى نزع سلاح حزب الله، مع الإقرار بأن المهمة ستتم بإمكاناته المحدودة. هذا الإعلان، الذي جاء عقب اجتماع طارئ لمجلس الوزراء في بيروت، فتح الباب أمام تساؤلات خطيرة حول مستقبل الأمن الداخلي اللبناني، ومدى قدرة الدولة على فرض سلطتها في بلد يعاني أصلًا من أزمات سياسية واقتصادية خانقة.
خلفيات القرار الحكومي
منذ انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية في عام 1990 ظل ملف السلاح خارج إطار الدولة قضية حساسة، خصوصًا مع احتفاظ حزب الله بترسانته العسكرية بحجة مواجهة إسرائيل.
ورغم وجود قرارات دولية تطالب بحصر السلاح بيد الدولة اللبنانية، ظل هذا الملف معلّقًا، حيث اعتُبر الحزب قوة ردع أساسية في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية، وفي الوقت نفسه لاعبًا سياسيًا بارزًا يشارك في الحكومات والبرلمانات.
إعلان الحكومة اليوم يشكل تحولًا جذريًا في الخطاب الرسمي، حيث تسعى السلطات إلى استعادة السيادة الكاملة على أراضيها. لكن الاعتراف المسبق بـ”الإمكانات المحدودة” للجيش يوحي بأن المواجهة لن تكون عسكرية شاملة بقدر ما هي خطوة رمزية أو سياسية للضغط على الحزب داخليًا وخارجيًا.
المخاوف الشعبية والسياسية
القرار أثار جدلًا واسعًا في الشارع اللبناني. فهناك فئات من اللبنانيين ترى أن بقاء سلاح حزب الله خارج إطار الدولة يهدد استقرار البلاد ويكرّس ازدواجية السلطة.
هؤلاء يعتبرون أن خطوة الحكومة، مهما كانت محفوفة بالصعوبات، ضرورية لفرض هيبة الدولة وإنهاء حالة الدولة داخل الدولة.
في المقابل، يرى معارضو القرار أن هذه الخطوة قد تكون مغامرة غير محسوبة العواقب، إذ إن الحزب يمتلك قدرات عسكرية تفوق قدرات الجيش اللبناني من حيث العتاد والتنظيم والخبرة القتالية.
ويحذر هؤلاء من أن محاولة نزع سلاح الحزب بالقوة قد تفتح الباب أمام صدام دموي يذكر اللبنانيين بأيام الحرب الأهلية التي استمرت خمسة عشر عامًا وأودت بحياة مئات الآلاف.
الموقف الإقليمي والدولي
لم يقتصر الجدل على الداخل اللبناني. فالإعلان من المتوقع أن يحظى بمتابعة لصيقة من قوى إقليمية ودولية. الولايات المتحدة والأمم المتحدة رحبتا مرارًا بأي خطوات لبسط سلطة الدولة اللبنانية، بينما ستراقب إسرائيل التطورات بعين حذرة، إذ ترى في أي تغيير بموازين القوى داخل لبنان انعكاسًا مباشرًا على أمنها القومي.
في المقابل، من المرجح أن تحظى خطوة الحكومة اللبنانية بمعارضة من إيران، الداعم الرئيسي لحزب الله ماليًا وعسكريًا. وبالتالي فإن القرار قد يأخذ أبعادًا إقليمية ويزيد من تعقيد المشهد السياسي في الشرق الأوسط.
سيناريوهات المستقبل
المشهد اللبناني يبدو مفتوحًا على عدة سيناريوهات. الأول أن تنجح الحكومة في التوصل إلى صيغة تفاهم مع حزب الله تضمن إدماج سلاحه تدريجيًا ضمن مؤسسات الدولة الرسمية،
وهو احتمال قد يتطلب وساطات إقليمية ودولية طويلة ومعقدة. السيناريو الثاني هو حدوث مواجهة مباشرة أو غير مباشرة بين الجيش والحزب، ما قد يفتح الباب على فوضى داخلية ويدفع البلاد نحو إعادة إنتاج مشهد الحرب الأهلية.
أما السيناريو الثالث، فهو أن يبقى القرار مجرد إعلان سياسي للاستهلاك الداخلي والخارجي دون تطبيق فعلي، وهو ما يرجحه كثيرون بالنظر إلى الظروف الحالية.
لبنان يقف اليوم أمام لحظة مفصلية في تاريخه السياسي. القرار بنزع سلاح حزب الله قد يمثل بداية طريق صعب نحو استعادة سيادة الدولة أو قد يتحول إلى شرارة تشعل صراعًا داخليًا جديدًا. وبين هذين الاحتمالين.
يبقى الشعب اللبناني هو الحلقة الأضعف، إذ يعيش تحت ضغط اقتصادي خانق وأزمات متلاحقة، بينما يخشى أن ينزلق وطنه مرة أخرى إلى أتون الفوضى والاقتتال.





