تواصل ليبيا جهودها الرامية إلى تعزيز الشفافية في إدارة الإيرادات النفطية وتوحيد آليات الإنفاق العام، في وقت تمثل فيه عوائد النفط الركيزة الأساسية للاقتصاد الوطني ومصدراً رئيسياً لتمويل الخدمات العامة ومشروعات التنمية.
وخلال الأشهر الأخيرة، برز ملف إدارة الموارد النفطية كأحد المحاور الرئيسية في المناقشات الاقتصادية التي ترعاها بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، والتي ركزت على ضرورة تعزيز الحوكمة المالية وتحقيق قدر أكبر من العدالة والشفافية في توزيع الموارد العامة بين مختلف مناطق البلاد.
وفي هذا السياق، رحبت بعثة الأمم المتحدة في أبريل 2026 بتوقيع إطار موحد للإنفاق العام، معتبرة أن الخطوة تمثل تقدماً مهماً نحو تعزيز الانضباط المالي وتوحيد إدارة الموارد العامة، مع التشديد على ضرورة إخضاع الإنفاق العام لرقابة فعالة ومستقلة تضمن تحقيق فوائد ملموسة لجميع الليبيين. كما أكدت البعثة أن إدارة عوائد النفط يجب أن تقوم على مبادئ الشفافية والمساءلة والتوزيع العادل للموارد الوطنية.
وتزامناً مع ذلك، اختتمت بعثة الأمم المتحدة في السابع من يونيو الجاري أعمال الحوار المهيكل الذي ضم مسارات سياسية واقتصادية وأمنية، حيث قدم المشاركون مجموعة من التوصيات الهادفة إلى تهيئة الظروف لإجراء انتخابات وطنية ودعم الإصلاحات الاقتصادية وتوحيد مؤسسات الدولة. وشملت المناقشات ملفات الحوكمة المالية وإدارة الموارد السيادية وآليات إدارة عوائد النفط بما يعزز الاستقرار الاقتصادي ويحد من الانقسامات المؤسسية التي عانت منها البلاد خلال السنوات الماضية.
ويرى مراقبون أن نجاح أي ترتيبات مالية جديدة سيظل مرتبطاً بقدرة المؤسسات الليبية على تطبيق معايير الشفافية والرقابة الفعلية على الإنفاق العام، خاصة في ظل استمرار الاعتماد الكبير على النفط كمصدر رئيسي للإيرادات. كما أن ضمان استفادة مختلف المناطق من عوائد التنمية يمثل عاملاً أساسياً للحفاظ على الاستقرار ومنع عودة الاحتجاجات أو محاولات تعطيل الإنتاج والتصدير في مناطق الهلال النفطي.
وفي هذا الإطار، يؤكد خبراء اقتصاديون أن التحدي الأكبر لا يتعلق فقط بزيادة الإيرادات النفطية، بل بكيفية إدارتها وتوجيهها نحو تحسين الخدمات العامة والبنية التحتية وتوفير فرص العمل. فالتجارب السابقة أظهرت أن استمرار الخلافات حول توزيع الموارد كان من أبرز أسباب التوترات السياسية والاقتصادية التي انعكست بصورة مباشرة على قطاع النفط.
وتشير تقديرات الأمم المتحدة وتقارير الحوار الاقتصادي إلى أن إصلاح إدارة المال العام وتعزيز الرقابة على الإنفاق يمثلان شرطاً أساسياً لاستعادة ثقة المواطنين في المؤسسات الرسمية، خاصة مع التحذيرات المتزايدة من التداعيات الاقتصادية لاستمرار الاختلالات المالية والاعتماد شبه الكامل على عوائد النفط.
وبينما تنظر الأوساط السياسية والاقتصادية إلى التفاهمات الأخيرة باعتبارها خطوة إيجابية نحو توحيد الإدارة الاقتصادية، فإن الاختبار الحقيقي سيبقى في مدى قدرة الأطراف الليبية على تحويل التوصيات والاتفاقات إلى إجراءات عملية تنعكس على حياة المواطنين وتحسن مستوى الخدمات، بما يدعم الاستقرار ويقلل من احتمالات عودة الأزمات المرتبطة بإدارة الثروة النفطية.







