تواجه الموازنة العامة في الدول النفطية تحديات هيكلية جسيمة عندما تتحول بنود دعم الطاقة من أداة حماية اجتماعية إلى منفذ للهدر المالي.
ويستنزف ذلك الثروات الوطنية ويفرض ضغوطاً متزايدة على مسارات التنمية والإنفاق الخدمي.
أزمة التهريب
تستنزف عمليات تهريب الوقود المتصاعدة مليارات الدولارات سنوياً من اقتصاد ليبيا، لتتحول من مجرد ثغرة أمنية عابرة إلى أحد أبرز ملفات الهدر المالي المنظم واستنزاف الموارد العامة للبلاد في السنوات الأخيرة.
فجوة التوريد
سلط تقرير مجموعة الأزمات الدولية الصادر في يونيو 2025 الضوء على الفجوة الكبيرة بين حجم الوقود المستورد وما تستهلكه السوق فعلياً، مؤكداً وجود اشتباه قوي بتسرب الكميات لشبكات تهريب محلية ودولية.
حوافز سعرية
تعد أسعار الوقود بليبيا من الأقل عالمياً بدعم حكومي واسع، مما يخلق فارقاً سعرياً ضخماً مع دول الجوار، وحافزاً مالياً للمهربين لشراء المحروقات رخيصة وإعادة بيعها بالخارج بأضعاف قيمتها الأصلية.
شبكات منظمة
تطورت عمليات التهريب بالعقد الأخير من أنشطة فردية محدودة إلى شبكات منظمة تستغل الحدود البرية الطويلة الممتدة لأكثر من 4300 كيلومتر، علاوة على السواحل البحرية الواسعة على البحر الأبيض المتوسط.
عجز التكرير
رغم إنتاج ليبيا ما يزيد عن 1.3 مليون برميل يومياً من النفط الخام، فإن محدودية طاقات التكرير المحلية تجبرها على استيراد كميات ضخمة من مشتقات البنزين لتلبية الطلب المحلي المتنامي.
تقرير المحاسبة
كشفت مراجعة ديوان المحاسبة لمنظومة دعم المحروقات عن اختلالات هيكلية وغياب كامل للتنسيق بين وزارة المالية ومؤسسة النفط وشركة البريقة، مما أفضى لتقديرات غير دقيقة للكميات المطلوبة من الوقود.
مقاصة التشويه
اعتمدت الدولة كلياً بنظام مبادلة النفط الخام بالمشتقات خارج الموازنة، دون إدراج مخصصات بميزانيتي 2023 و2024، بعدما بلغت 5.28 مليارات دينار عام 2022، مما شوّه البيانات المالية بنسبة تصل 35%.
عجز الإيرادات
أكد تقرير الديوان تضخم فواتير الاستيراد دون مخرجات إنتاجية حقيقية، راصداً ضعف تحصيل إيرادات البيع المحلي التي لم تتجاوز 596.7 مليون دينار فقط خلال الأعوام 2022 و2023 و2024 مجتمعة.
فجوة المخزون
وثق الديوان فجوة بلغت 197 مليون لتر بين السجلات والمخزون الفعلي لوقود الطائرات، بجانب خسائر تقدر بـ 596 مليون دولار سنوياً نتيجة الارتفاع غير المراجع للعلاوات المضافة بعقود التوريد الخارجية.
بيئة جاذبة
أوضح المحلل الاقتصادي عبد الكريم الجديدي أن اجتماع الوقود منخفض السعر والحدود المفتوحة والطلب المرتفع بالأسواق المجاورة كتونس ومصر والجزائر ودول الساحل، جعل البلاد بيئة مثالية ومربحة للغاية لازدهار التهريب.
غياب الرقابة
أرجع الجديدي تفاقم الظاهرة إلى منظومة الدعم الشامل وضعف الرقابة على تداول ونقل المحروقات، وغياب التقنيات الإلكترونية لتتبع حركة التوزيع، فضلاً عن ضعف التنسيق بين الأجهزة الأمنية والمؤسسات النفطية والرقابية.
ضغط الإمداد
أفاد المتحدث باسم شركة البريقة، أحمد المسلاتي، بأن التهريب والتسرب يخرجان المنتجات المدعومة عن مسارها الطبيعي، مما يفرض ضغوطاً على منظومة الاستيراد لتعويض الفاقد، بجانب تداخل عوامل نمو الاستهلاك المحلي.
آليات تنظيمية
أكد المسلاتي اتخاذ شركة البريقة إجراءات فنية لتعزيز الرقابة على عمليات الشحن والمطابقة وتقليص التجاوزات، مشدداً على أن الحل الجذري يتطلب تكاملاً وطنياً موسعاً يتجاوز نطاق صلاحيات وعمل الشركة بمفردها.
بدائل مقترحة
دعا الجديدي للتحول التدريجي نحو دعم نقدي موجه للمستحقين، مقترحاً تطبيق نظام بطاقات الوقود الإلكترونية لتحديد الكميات المدعومة، واعتماد الأسعار الحرة غير المدعومة للكميات الإضافية للحد من نزيف الأسواق الخارجية.
معضلة اقتصادية
يمثل ملف تهريب الوقود في ليبيا معضلة اقتصادية مركبة تتداخل فيها الثغرات الرقابية مع الفوارق السعرية المغرية.
ويجعل ذلك إصلاح منظومة الدعم الشامل وتطوير أدوات التتبع الإلكتروني ضرورة حتمية لحماية المال العام، وإنقاذ ثروات البلاد من التبخر المستمر عبر الحدود والمنافذ البحرية.


