لم تعد المعلومة الاستخباراتية حكراً على المصادر السرية أو الاختراقات التقليدية الميدانية المعقدة؛ بل بات الجمع الاستخباراتي يستَقَى من روافد متعددة:
إشارة من ساعة ذكية، أو خط سير على تطبيق رياضي، أو صورة عابرة في الفضاء الرقمي، أو حتى بلاغٍ من مواطن عن نشاطٍ مشبوه لطائرة مسيّرة.
كما تجاوزت المسألةُ حدودَ التباهي بكثافة البيانات المفتوحة او المعلومات المتاحة أو تعقيدات الأثر الرقمي اليومي للأفراد؛ لتلامس عمقَ التغيير البنيوي في عقيدة وبيئة عمل الأجهزة الاستخباراتية.
فالغاية اليوم تتخطى مطاردة “السرّ المفرد” —سواء كان عميلاً مجنّداً أو وثيقةً مصنّفة حصرية— لتستقر عند فنّ ربط آلاف التفاصيل الصغرية المتاحة أو المسرّبة، وقراءة النمط المعقّد الذي يتشكّل من تقاطعها.
1- «شارل ديغول»: ثغرة الأثر الرقمي اليومي:
جاءت حادثة آذار 2026 لتختصر جانباً من هذا التحول. فقد تمكن فريق التحقيق في صحيفة «لوموند» من تحديد إحداثيات موقع حاملة الطائرات النووية الفرنسية «شارل ديغول» في شرق المتوسط، بالاستناد إلى نشاط رياضي روتيني نُشر على حساب عام، سجله أحد العسكريين بواسطة ساعته الذكية على تطبيق Strava، ثم أُكِّد لاحقاً عبر صور الأقمار الصناعية.
اللافت في هذه الحادثة أن كشف الموقع لم يحتج إلى اختراق منظومة مشفرة، بل جاء من نشاط مدني عادي تحوّل بفعل الربط الرقمي إلى معلومة ذات قيمة عملياتية. وقد أقرت القوات المسلحة الفرنسية “بأن السلوك لا يتوافق مع التعليمات الأمنية، مؤكدةّ اتخاذ الإجراءات المناسبة”.
لكن أهمية الواقعة تتجاوز التطبيق نفسه؛ فهي تضع أجهزة مكافحة التجسس والأمن العسكري أمام تحدٍّ جديد: كيف تحمي المؤسسة من تسريبات لا تأتي من الوثائق السرية، وإنما من تراكم البيانات اليومية التي ينتجها أفرادها بصورة عفوية؟
في السياق نفسه، حذر المعهد الفرنسي للدراسات العليا للدفاع الوطني (IHEDN) بوضوح من أن منصات تتبع الرحلات الجوية وحركة السفن وتطبيقات الرياضة باتت قادرة على كشف تحركات عسكرية ودبلوماسية مهمة اعتماداً على بيانات متاحة قانوناً.
ثم ان الوجه الآخر للمشكلة يكمن في أن المنظمات الارهابية المتطرفة والأجهزة الاستخباراتية المناوئة يقرأون البيانات ذاتها لرسم خرائط تحركات الأفراد، أو تحديد المنشآت، أو ربط الأشخاص بشبكات أوسع.
من هذا المنظور، لم تعد الاستجابة الأوروبية تقتصر على ملاحقة عناصر التنفيذ المباشر، إذ أطلقت وكالة “اليوروبول” EuroPol قوة المهام العملياتية OTF GRIMM لمواجهة التجنيد عبر المنصات الرقمية ذلك عبر رسم خريطة للشبكات مع تحديد أدوار المحرضين والمجندين والمنفذين.
وهنا تكمن الدلالة: الأمن الأوروبي يتحول تدريجياً من ملاحقة «الأداة» إلى فهم «البنية» التي أنتجتها.
2- فائض المعطيات: بين التهديد الحقيقي والضجيج:
أما ملف الطائرات المسيّرة، فيكشف مشكلة “الفائض”؛ فكثرة المعطيات لا تعني بالضرورة امتلاك معرفة حقيقية.
وقد أظهرت دراسة مترجمة نشرها مركز الأمن في المعهد الفدرالي السويسري للتكنولوجيا (ETH Zurich) حول (رهاب) فوبيا المسيّرات في أوروبا خلال خريف 2025، أن غالبية الحالات التي جرى تحليلها لم يكن بالإمكان تأكيد ارتباطها بهجوم هجين؛
فمن أصل 58 حالة، بقيت أدلة 41 منها غير حاسمة، وتبين أن 14 حالة ارتبطت بأجسام طائرة فسرت خطأ، بينما أمكن تأكيد ثلاث حالات فقط لمسيّرات روسية.
ولاحقًا لوحظ انخفاض البلاغات على مواقع إلكترونية بلجيكية بصورة حادة بعد تركيب أنظمة كشف متخصصة.
المغزى الاستخباري هنا بالغ الأهمية: إنذار أمني مرتفع لا يساوي بالضرورة تهديداً مؤكداً.
وفي البيئة الرقمية والإعلامية الحالية، يمكن لمعلومة غير دقيقة أن تنتشر أسرع بكثير من قدرة الأجهزة على التحقق منها،
مما يستهلك الموارد ويمنح الخصوم فرصة للتلاعب بالتقديرات عبر تضخيم الإشارات المضللة.
3- نشوء المعضلة الفعلية للاستخبارات الحديثة: كيف نفصل الإشارة عن الضجيج؟
تتجه الأجهزة الغربية بصورة متزايدة إلى دمج (استخبارات المصادر المفتوحة) Open Source Intelligence مع الاستخبارات التقليدية،
والاستفادة من قدرات القطاع الخاص والمراكز الأكاديمية والتقنيات المتقدمة.
فالقيمة لم تعد في كمية المعلومات المتراكمة او المجموعة، وإنما في القدرة على التحقق منها، وترجيح وزنها، ثم تحويلها إلى قرار أمني ناضج.
4-إعادة تعريف الأمن الرقمي وتغير ماهية المصدر:
هذا التحول يعيد تعريف مفهوم الأمن الرقمي؛ فالخرق الأمني قد يأتي اليوم من تسريب موقع جغرافي، أو كشف نمط يومي، أو نشر صورة في توقيت غير مناسب.
ومع ذلك، يبقى هناك حد فاصل لا ينبغي تجاوزه: تحويل البيانات المفتوحة إلى أداة أمنية لا يعني تحويل المجتمع إلى مساحة مراقبة دائمة،
فالكفاءة الحقيقية للاستخبارات تكمن في انتقاء ما يستحق التحليل ضمن أطر قانونية تحمي الخصوصية والحريات العامة.
المسألة في عمقها ليست أن المواطن أصبح «مصدراً أمنياً»، بل إن ماهية المصدر نفسها تغيرت؛ والمعلومة قد تأتي ممن لا يدري أنه قدمها.
في المحصلة، انتقلت الاستخبارات الأوروبية من مرحلة كانت فيها ندرة المعلومات هي المشكلة، إلى عصر أصبحت فيه وفرة المعلومات هي التحدي.
وعليه فإن المعركة الحقيقية اليوم لا تختصر بسؤال: «كيف نجمع المزيد من البيانات او المعلومات؟»،
بل بسؤال أكثر صعوبة: «كيف ننقي هذا الكم الهائل من الإشارات المتناثرة، ونميز بين الحقيقة والضجيج، لنحوّل البيانات إلى معرفة، والمعرفة إلى تقدير موقف، وتقدير الموقف إلى قرار أمني سليم؟».


