أَبْكِيكَ حتّى آخِرِ الأَبَدِ
يا والدًا أَغْلَى مِنَ الوَلَدِ
يا صاحِبًا قد كانَ لي مَدَدًا
فَغَدَوْتُ بَعْدَكَ دونَ ما مَدَدِ
لو تاجرُ الأرواحِ ساوَمَني
لَدَفَعْتُ فيكَ حُشاشَةَ الكَبِدِ
لَدَفَعْتُ فيكَ بَقِيَّةً خَفِيَتْ
مِنْ عُمْرِيَ المَخْبُوءِ في الرَّصَدِ
فَرِضاكَ وَحْدَكَ كانَ مُعْتَمَدِي
وهَواكَ وَحْدَكَ كانَ مُعْتَقَدِي
وعَلَيْكَ وَحْدَكَ طالَ بي حَذَرِي
لَمْ يَبْقَ لي حَذَرٌ على أَحَدِ!
يا صاحِبًا جَمًّا بِمُفْرَدِهِ
لَيْسَ الصِّحابُ بِكَثْرَةِ العَدَدِ
تَهَدَّ فيَّ بَقِيَّةُ العَمَدِ
وتَخَطَّفَتْكَ سَفِينَةٌ مَخَرَتْ
قَلْبَ العُبابِ وقُبَّةَ الزَّبَدِ
غابَتْ فَعَيْني مَوْجَةٌ سَبَحَتْ
عن رِحْلَةِ الرُّبّانِ لَمْ تَحِدِ
فَعَجِبْتُ كَيْفَ الصُّبْحُ مُؤْتَلِقٌ؟
والشَّمْسُ! كَيْفَ الشَّمْسُ لَمْ تَمِدِ؟
جالَدْتُ فيكَ وَجيعَةً عَظُمَتْ
جَلَّتْ عنِ الكِتْمانِ والجَلَدِ
وذَرَفْتُ فيكَ دُموعَ ساقِيَةٍ
دارَتْ ولَمْ تَحْفِلْ بِمُنْتَقِدِ
لَمْ يَبْقَ في عَيْنَيَّ مُضْطَجَعٌ
لِلدَّمْعِ كَيْ يَرْقا ولا السُّهُدِ
ولَطالَما اسْتَجْدَيْتُ ساكِبَةً
عَبْرَ الضُّحى سَكْبًا فَلَمْ تَجُدِ
ثَمِلَ الدُّجى مِنْ طولِ ما هَطَلَتْ
اللَّيْلُ بَعْدَكَ صارَ مَقْبَرَةً
تَقْتاتُ مِنْ رُوحي ومِنْ جَسَدِي
أَنْكَرْتُ صَمْتَكَ حينَما دَهَمْتَ
فَرَأَيْتُ صَمْتَكَ غايَةَ الرُّشْدِ
وبِمِحْجَرَيْكَ تَلَفُّتٌ قَلِقٌ
يَتَواتَرانِ كَخَفْقٍ مُرْتَعِدِ
ولَأَنْتَ مِنْهُ ذُبالَةٌ شَهَقَتْ
فَوْقَ الفِراشِ صَبيحَةَ الأَحَدِ
سُؤْلُ الصِّغارِ عَلَيْكَ أَرْهَقَني
وحَنينُهُمْ قَدْ فَتَّ في عَضُدِي
إِنْ كانَ غادَرَ أَيْنَ مُرَبَّعُهُ
فَلِمَنْ أَبوحُ وكُنْتَ مُنْطَلَقي؟
فَتَّشْتُ بَعْدَكَ عَنْكَ لَمْ أَجِدْ!
وبِمَنْ أَلوذُ وكُنْتَ مُدَّخَرِي
قَوَّمْتَ مِنْ شِعْري ومِنْ أَوَدِي؟
ولَكَمْ عَهِدْتُكَ خَيْرَ مُتَّئِدٍ
فَلِمَ رَحيلُكَ غَيْرَ مُتَّئِدٍ!؟
يا والدًا أَغْلَى مِنَ الوَلَدِ
أَبْكِيكَ حتّى آخِرِ الأَبَدِ
——————-
(محمد فتحي محمود سعيد)
– الميلاد: 2 يوليو 1931م، إيتاي البارود، محافظة البحيرة (مصر)
– الوفاة: 18 يناير 1989م، بالقاهرة
– عمل مدرسًا (1954م – 1959م)، ثم إخصائيًا وموجهًا اجتماعيًا (1960م – 1962م).
– مارس العمل الصحفي في جريدة الجمهورية ومجلة الإذاعة والتلفزيون
– رئيسًا لتحرير مجلة «الشعر» (1987م).
– وكيلًا لثقافة القرية بالثقافة الجماهيرية (1970م – 1972م).
الإنتاج الشعري:
كتبَ العمودي والتفعيلة:
– له عدد من الدواوين والمسرحيات الشعرية، منها:
«فصل في الحكاية»
«أوراق الفجر»
«مصرُ لم تنم»
«دفتر الألوان»
«مسافرٌ إلى الأبد»
«بعض هذا العقيق»
«رباعيات السلوم»
«إلا الشعر يا مولاي»
«المسرحية الشعرية: الفلاح الفصيح»
«أغنيات حبّ صغيرة»
«ثرثرة على مائدة ديك الجن»
«أندلسيات مصرية»