– ليست رحلة خالد محمد خالد مجرد انتقالٍ من فكرة إلى فكرة، ولا مراجعةً عابرةً لموقفٍ فكري؛ إنها رحلةُ رجلٍ أمضى نصف قرنٍ وهو يفتش عن الإسلام الذي يطمئن إليه عقله وضميره.
– بدأ من أقصى اليسار الفكري في كتابه «من هنا نبدأ»، فخاصم فكرة الدولة الإسلامية، وحذّر من تداخل الدين بالسياسة، ودخل بسبب ذلك في معركةٍ عنيفة مع علماء عصره؛ ثم انتهى، بعد ثلاثة عقود، إلى الوقوف في الجهة المقابلة تمامًا، معلنًا في «الدولة في الإسلام» أن ما رفضه بالأمس كان قائمًا على قياسٍ خاطئ، وأن الإسلام ليس كهنوتًا أوروبيًّا، ولا دينًا منزوع الصلة بالحياة، بل «دين ودولة، حق وقوة، عبادة وسياسة».
– والأهم من التحول نفسه أن خالد محمد خالد امتلك شجاعةً نادرة: شجاعة أن يهدم بيده ما بنى بقلمه، وأن يقول صراحةً إنه أخطأ، لا أن يلوّي عنق أفكاره القديمة ليبدو ثابتًا.
– ومن هنا تبدو قصته واحدةً من أكثر الرحلات الفكرية إثارةً في الفكر الإسلامي الحديث: من «من هنا نبدأ» إلى «الدولة في الإسلام»؛ من خصومةٍ مع الإسلاميين والفكر الإسلامي إلى أن يصبح واحدًا من أبرز رموزه وكتّابه، ومن نقد فكرة الدولة الإسلامية إلى الدفاع عنها، ومن اليسار إلى الإسلام، ومن الجدل السياسي إلى رحاب الإيمان والتصوف.
تعريف بالكاتب ومشواره:
خالد محمد خالد (1920-1996) هو مفكر إسلامي مصري، وُلدَ في قرية العدوة بمحافظة الشرقية (قرية الرئيس المصري الراحل د. محمد مرسي)
– حفظ القرآن الكريم في خمسة أشهر فقط، ثم التحق بالأزهر الشريف ودرس فيه ستة عشر عاماً حتى تخرج في كلية الشريعة عام 1945م.
– عُرف بزهده واستقلاليته، إذ رفض العديد من المناصب القيادية التي عرضت عليه، وكان من أشد المدافعين عن الديمقراطية والحرية.
– اتسمت حياته بأطوار متعددة: من طالب أزهري نابه، إلى خطيب سياسي بارز، إلى واعظ ومصلح اجتماعي، وانتهى به المطاف إلى صوفي مشغول بربه.
– ألَّفَ أكثر من أربعة وثلاثين كتاباً في مجالات متنوعة، أشهرها “رجال حول الرسول”، و”من هنا نبدأ”، و”الدولة في الإسلام”، و”قصتي مع الحياة”.
– كتاب “من هنا نبدأ” وأفكاره الأساسية:
صدر كتاب “مِن هنا نبدأ” عام 1950م، وكان عنوانه الأول “بلاد مَن؟!”.
– أثار الكتاب موجة عاتية من الغضب، حيث أمرت النيابة العامة بضبطه ومنع تداوله بعد شكوى من رئيس لجنة الفتوى بالأزهر.
– اُتهم المؤلف بالخروج على الدين وترويج الشيوعية وتحريض الفقراء على الرأسماليين، وطالبوا بمحاكمته أمام هيئة كبار العلماء.
– تضمن الكتاب أربعة فصول رئيسية:
الفصل الأول “الدين لا الكهانة”:
نقد فيه ما سماه “الكهنوت الديني” في المجتمع المصري.
الفصل الثاني “الخبز هو السلام”:
رأى أن الإسلام ينزع نحو الأفكار الاشتراكية التي تدعم العدالة الاجتماعية.
الفصل الثالث “قومية الحكم”:
قدم رؤيته حول علاقة الدين بالدولة، مبيناً أن الحكومات الدينية تضر الإسلام والدولة على السواء، وأن الفصل بينهما يحفظ قدسية الدين.
الفصل الرابع “الرئة المعطلة”:
تناول قضية المرأة وحقوقها في المجتمع.
المحور الأهم في الكتاب: كان قوله إن “الإسلام دين لا دولة”، وإن وظيفة الدين هي الهداية والإرشاد، وليست الحُكم والسلطة.
الردود على الكتاب:
– تصدى الشيخ محمد الغزالي للرد على الكتاب في مؤلفه الشهير “مِن هنا نعلم”.
– كما رد عليه الأستاذ محمد فريد وجدي في افتتاحية مجلة الأزهر بحوالي عشر مقالات تحت عنوان “ليس من هنا نبدأ”.
– وقال فيه الشيخ محمود شلتوت: “إن هذا الكتاب يلقي بثلث القرآن في البحر”.
– تراجع خالد محمد خالد وتصحيح مساره:
بعد ثلاثين عاماً من صدور “من هنا نبدأ”، أصدر خالد محمد خالد كتابه “الدولة في الإسلام” عام 1982م.
– أعلن فيه بكل وضوح وشجاعة أدبية نادرة أنه أخطأ في كتابه الأول.
اعترف بخطأين كبيرين:
– الخطأ الأول: اعتبار الدولة الإسلامية دولة دينية كتلك الدولة الكهنوتية المسيحية التي ظهرت في أوروبا في العصور الوسطى.
فالإسلام لا يعرف الحكومة الدينية بالمعنى البابوي الكهنوتي، ولا يمنح الحكام سلطة بابوية.
– الخطأ الثاني: تعميم أخطاء الحكام المسلمين وبعض الذين أساؤا فِهم الدين على الإسلام ذاته، وربط عيوبهم بجوهر الإسلام.
تفسيره لسبب الخطأ في كتابه الأول:
ذكرَ خالد محمد خالد في مذكراته “قصتي مع الحياة” أن أول خطأ تغشّى منهجه كان تأثره الشديد بما قرأه عن الحكومات الدينية التي قامت في أوروبا وابتكروا وسائل التعذيب التي لا تخطر للشيطان نفسه ببال.
– كما اعترف بأن حركة الترحيب بالكتاب، ولا سيما في الخارج، جعلته يسأل نفسه: “أتُراني قدمت للشانئين على الإسلام ما أثلج صدورهم وسرَّهم إلى هذا المدى من الترحيب المريب؟”.
موقفه الجديد في “الدولة في الإسلام”:
أعلن خالد محمد خالد في كتابه الجديد أن الإسلام “دين ودولة”.
وأوضح أن الحكومة الإسلامية تستمد وجودها ونظامها وفكرها وضميرها من الشريعة الإسلامية التي لم تترك صغيرة ولا كبيرة من احتياجات البشر إلا بتها وعظمتها.
وشدد على أن الشريعة الإسلامية تعتمد على الاجتهاد وإعمال العقل واستبطان النص واحترام المعاصرة، مما يفرقها عن النظم الكهنوتية الجامدة.
وقال نصاً: “إن الإسلام كما فهمته تماماً -لا كما يفهمه المفلسون- ولا كما يفهمه الغلاة والمتطرفون، ولا كما يفهمه المتاجرون هو بيقين: دين ودولة، حق وقوة، عبادة وسياسة، ثقافة وحضارة، إخاء وتعارف”.
الكتاب في ميزان الإسلام:
يمثل تحول خالد محمد خالد نموذجاً مهماً في تاريخ الفكر الإسلامي المعاصر.
فقد أدرك أن الخلط بين الكهنوت المسيحي والحكم الإسلامي خطأ منهجي كبير، لأن الإسلام لا يقوم على نظام بابوي يمنح رجال الدين سلطة روحية مطلقة على الناس.
كما أدرك أن انتقاد ممارسات بعض الحكام المسلمين لا يبرر رفض فكرة الحُكم بالإسلام ذاتها، لأن الفصل بين أخطاء البشر وجوهر الإسلام هو من أهم قواعد الفهم الصحيح.
وكانت شجاعته الأدبية في الاعتراف بالخطأ والتراجع عنه علناً مما يقتدى به في منهجية الاجتهاد والمراجعة الفكرية.
أهمية التحول الفكري لخالد محمد خالد:
يمثل هذا التحول نموذجاً نادراً في تاريخ الفكر العربي، حيث أعلن مفكر كبير تراجعه عن أفكار كان قد ناضل من أجلها.
فلم يكن خالد محمد خالد من أصحاب المواقف المترددة، بل كان مناضلاً شرساً في الدفاع عن الديمقراطية والحرية، حتى إنه عارض سياسات جمال عبد الناصر في لجنة التحضيرية عام 1961م.
وكان من أشد المدافعين عن حقوق الفقراء والمظلومين، ومن أهم المجددين للخطاب الديني، ومن أشد المحاربين للمتطرفين العلمانيين والإسلاميين.
وقد جسَّدَ هذا التحوّل روح المراجعة الموضوعية التي تميّز الفكر الإسلامي الأصيل القائم على الاجتهاد المستمر.
دروس مستفادة من رحلة خالد محمد خالد:
أولاً: ضرورة التمييز بين جوهر الإسلام وتطبيقاته التاريخية، لأن أخطاء البشر لا تلقي بظلالها على قدسية الدين.
ثانياً: خطر التأثر بالنماذج الغربية في فهم الإسلام، فقد أوقعته المقارنة الخاطئة بين الكهنوت المسيحي والحكم الإسلامي في خطأ كبير.
ثالثاً: شجاعة المراجعة الفكرية والاعتراف بالخطأ هي سمة من سمات العلماء الراسخين، وليست ضعفاً أو تناقضاً.
رابعاً: الإسلام يقدم نموذجاً فريداً في العلاقة بين الدين والدولة.
كيف صحَّحَ خالد محمد خالد مساره الفكري؟
إن رحلة خالد محمد خالد من كتابه “من هنا نبدأ” إلى كتابه “الدولة في الإسلام” تمثل قصة تحوّل فكري نادر ومهم.
حيث تمكّن من تجاوز تأثير الفكر العلماني الغربي، وعاد إلى فهم الإسلام فهماً متكاملاً يرى فيه ديناً ودولة، وحقاً وقوة، وعبادة وسياسة.
وهو ما جعله بعد ذلك من رموز الفكر الإسلامي، وأحد أهم كتاب السيرة النبوية والصحابة، بفضل كتبه الشهيرة مثل “رجال حول الرسول” و”خلفاء الرسول”


