د. عبد الآخر حماد يكتب: الانتحار وبعض الأحكام المتعلقة به

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
من الظواهر المقلقة التي طفت على السطح مؤخراً في مجتمعنا عودة ظاهرة الانتحار، وبخاصة بين الشباب المتعلمين، من طلبة الجامعات والمتخرجين منها.
وبهذه المناسبة فإني أعيد نشر سطور كنت قد كتبتها بهذا الخصوص قبل سنوات حول حكم المنتحر، وهل هو كافر؟ وهل تشرع الصلاة عليه، والاستغفار له؟ فأقول وبالله التوفيق:
قتل النفس من كبائر الذنوب
1-لا شك في حرمة إقدام المسلم على قتل نفسه، وأن ذلك من كبائر الذنوب، وذلك لقوله تعالى: (ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً) [النساء: 29]،
وقد ثبت في السنة الصحيحة الوعيد الشديد لمن تعمد قتل نفسه، كما في قوله صلى الله عليه وسلم:
(من تردى من جبلٍ فقتل نفسه فهو نار جهنم يتردى فيها خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن تحسى سُماً فقتل نفسه فسُمُّه في يده يتحسَّاه في نار جنهم خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يجأ بها في بطنه في نار جنهم خالداً مخلداً فيها أبداً).
[أخرجه البخاري (5778) ومسلم (109) من حديث أبي هريرة].
قاتل نفسه ليس بكافر
2- ورغم ما في هذا الحديث من الوعيد الشديد لمن قتل نفسه، إلا أن المستقر عند علمائنا أن قاتل نفسه ليس بكافر، وأنه كغيره من أصحاب الذنوب تحت المشيئة الإلهية إن شاء الله عذبه وإن شاء غفر له،
كما دل على ذلك قوله تعالى: (إن الله لا يغفر ان يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) [النساء: 48].
ومن السنة الصحيحة حديث جابر رضي الله عنه في صحيح مسلم (116) والذي فيه أن الطفيل بن عمرو الدوسي هاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة وهاجر معه رجل من قومه، فاجتووا المدينة، فمرض، فجزع، فأخذ مشاقص فقطع بها براجمه، فشخبت يداه حتى مات، فرآه الطفيل في منامه وهيئته حسنة ورآه مغطياً يديه،
فقال له: ما صنع بك ربك؟ فقال: غفر لي بهجرتي إلى نبيه صلى الله عليه وسلم، فقال مالي أراك مغطياً يديك؟ قال: قيل لي: لن نصلح منك ما أفسدت. فقصها الطفيل على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال صلى الله عليه وسلم: (اللهم وليديه فاغفر).
قاتل نفسه ليس بكافر
فهذا الحديث واضح الدلالة على أن قاتل نفسه ليس بكافر، وبخاصة ما فيه من استغفار الرسول صلى الله عليه وسلم لذلك الرجل وقوله: (اللهم وليديه فاغفر).
ففي هذا الحديث كما يقول الإمام النووي في شرح مسلم (1/ 409): (حجة لقاعدة عظيمة لأهل السنة، أن من قتل نفسه أو ارتكب معصية غيرها، ومات من غير توبة فليس بكافر، ولا يُقطَع له بالنار، بل هو في حكم المشيئة).
وأما ما سبق من حديث أبي هريرة، وما في معناه من الوعيد الشديد الموهمِ تخليدَ قاتل نفسه في النار، فقد ذكر الإمام النووي في شرح مسلم (1/ 402) أن فيه ثلاثة أقوال: أحدها أنه محمول على من فعل ذلك مستحلاً مع علمه بالتحريم فهذا كافر وهذه عقوبته،
والثاني أن المراد بالخلود طول المدة وليس الخلود الدائم، والثالث أن هذا جزاؤه، ولكن تكرم سبحانه وتعالى فأخبر أنه لا يُخلد في النار مَن مات مُسلمًا.
هذا ومن أهل العلم من ضعَّف زيادة (خالداً مخلداً فيها أبداً)، ورأى أنها وهم من بعض الرواة كما هو مسلك الترمذي عقب روايته الحديث في سننه (2044).
المهم أن الأمر الذي لا خلاف عليه عند أهل السنة أن قاتل نفسه رغم بشاعة جرمه إلا أنه لا يكفر بمجرد ذلك.
3- وأما الصلاة على قاتل نفسه
فقد ثبت في صحيح مسلم (978) من حديث جابر بن سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم: (أُتي برجل قتل نفسه بمشاقص فلم يصلِّ عليه).
قال الإمام النووي رحمه الله في شرح هذا الحديث: (وفي هذا الحديث دليل لمن يقول: لا يصلى على قاتل نفسه لعصيانه، وهذا مذهب عمر بن عبد العزيز والأوزاعي.
وقال الحسن والنخعي وقتادة ومالك وأبو حنيفة والشافعي وجماهير العلماء يصلى عليه،
وأجابوا عن هذا الحديث بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصلِّ عليه بنفسه زجراً للناس عن مثل فعله، وصلت عليه الصحابة)،
صلوا على صاحبكم
وفي المسألة قول ثالث نص عليه الإمام أحمد كما في المغني لابن قدامة (2/ 418) وهو أنه لا يصلي عليه الإمام ( أي ولي الأمر )،
ويصلي عليه سائر الناس، وقد استدل ابن قدامة لمذهب إمامه بحديث جابر بن سمرة السابق،
وبحديث زيد بن خالد الجهني الذي فيه أنه صلى الله عليه وسلم قال في شأن الرجل الذي غلَّ من الغنيمة: (صلوا على صاحبكم)، [والحديث أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه وصححه الألباني في أحكام الجنائز ] .
وإنما خص أحمد الامتناع بالإمام لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما امتنع من الصلاة على الغالِّ كان هو الإمام،
فألحِق به مَن بعده من أئمة المسلمين، ومثل الغال قاتلُ نفسه، وغيرُه من أصحاب الكبائر. وهذا القول الأخير قولٌ حسنٌ ولعله أعدل الأقوال.
وقد ألحق بعض أهل العلم بالإمام من كان له مكانة أو وجاهة كالعلماء ومن يُقتدَى بهم من أهل الفضل،
فذكروا أنه ينبغي لهؤلاء الفضلاء أن يتركوا الصلاة على أصحاب الكبائر كالمنتحر ونحوه،
وذلك من أجل زجر الناس عن تلك الكبائر، وممن قال بذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في الاختيارات العلمية (ص: 87)، لكنه ختم كلامه بعبارة لطيفة، وهي قوله رحمه الله:
(ولو امتنع في الظاهر، ودعا له في الباطن ليجمع بين المصلحتين كان أولى من تفويت إحداهما).
فهو رغم كونه يرى أن من الأفضل لأهل العلم والدين ألا يصلُّوا مع الناس على أصحاب الكبائر، إلا أنه يرغبهم في الدعاء لهم في السر، وذلك يدل على شفقته على أهل المعاصي ورحمته بهم .
4-وبعد فقد بقي مما يتعلق بهذا الموضوع نقطتان:
النقطة الأولى
تتعلق بما يردده البعض الآن من كون كثير ممن يقِدمون على الانتحار يعانون من الاكتئاب وغيره من الأمراض النفسية، وأنهم لأجل ذلك غير مؤاخَذين بفعلهم هذا.
ولا شك أن المرض النفسي إذا بلغ بالشخص مبلغاً يجعله لا يتمكن من التحكم في إرادته؛
بحيث يكون عند إقدامه على قتل نفسه كأنه فاقد للعقل أو قريب من ذلك، فإن الشريعة الغراء لا تحاسبه على تصرفاته،
وأما إذا لم يبلغ ذلك فهو مؤاخذ بتصرفاته. ولكن هذا أمر بينه وبين الله تعالى. وعلى كل حال فإننا سواء قلنا إنه معذور أو غير معذور، فلا شك أن الدعاء له والاستغفار أمر مشروع مستحب كما قررناه قبل قليل.
وأما النقطة الثانية
فتتمثل في التماس الأعذار لهؤلاء المنتحرين بكونهم يعيشون في ظل أوضاع اقتصادية واجتماعية صعبة، من غلاء الأسعار وضيق ذات اليد وعدم توفر وظائف مناسبة لهم وغير ذلك.
والحقُّ أنه رغم اعترافنا بمثل هذه الأوضاع الصعبة، إلا أنَّ علينا أن نقرر أنه مهما بلغت قسوة الأوضاع الاقتصادية والأحوال المعيشية،
فإن ذلك ليس مبرراً على الإطلاق للإقدام على فعلٍ ثبت فيه هذا الوعيد الشديد الذي رأيناه.
وإنما أقصد من ذكر هذه الجزئية قطع الطريق على من يفكر هذا التفكير من أبنائنا وبناتنا؛ لأبين لهم أن عليهم بدلاً من ذلك أن يسعوا قدر طاقتهم في طلب الرزق مستعينين بما أمرنا الله به من الصبر والصلاة،
والأخذ بالأسباب، وكثرة الدعاء واللجوء إلى الله عز وجل. واللهَ أسأل أن يرزقنا وإياكم من واسع فضله، ويعيننا وإياكم على طاعته وما فيه رضاه. والله أعلم
د. عبد الآخر حماد
عضو رابطة علماء المسلمين
20 من شعبان 1446هـ-19/ 2/ 2025م.