في 3 سبتمبر 1920م، أعلنت السلطات الفرنسية إقامة «دولة دمشق» بعد أسابيع قليلة من إسقاط الحكم العربي في دمشق إثر معركة ميسلون في 24 يوليو، ودخول القوات الفرنسية العاصمة في 25 يوليو من العام نفسه.
وجاء إنشاء دولة دمشق جزءًا من إعادة رسم الخريطة السياسية لسورية تحت الانتداب الفرنسي، في محاولة لإضعاف فكرة الدولة السورية الموحدة وتفتيت مركزها الوطني.
وأُسند حكم دولة دمشق رسميًا إلى حقي العظم في الأول من ديسمبر 1920م، الذي شكّل حكومته وأدار شؤون الدولة حتى يونيو 1922م.
ولم تكن دمشق وحدها التي جرى فصلها عن بقية البلاد؛ ففي الأول من سبتمبر 1920م أُعلنت «دولة حلب»، وتولى حكمها كامل باشا القدسي، ثم تعاقب عليها مصطفى بك برمدا ومَرعي باشا الملاح.
وفي الساحل أُنشئت «دولة العلويين» بنظام إداري منفصل، ثم أُقيمت «دولة جبل الدروز» عام 1921م، إلى جانب فصل لبنان عن سورية وإنشاء كيان «لبنان الكبير»، وإقامة نظام خاص في سنجق الإسكندرونة.
وهكذا تحولت البلاد التي كانت تُدار في إطار جغرافي وسياسي واحد إلى وحدات متعددة، لكل منها إدارة وحدود ومؤسسات منفصلة.
وكان لهذا التقسيم بعد سياسي واضح؛ فالفصل بين دمشق وحلب لم يكن مجرد إجراء إداري، بل استثمر التنافس التاريخي بين المدينتين وحوّله إلى خلاف سياسي، في الوقت الذي جرى فيه التعامل مع المناطق ذات الخصوصيات المذهبية والإقليمية بوصفها وحدات مستقلة.
ولم تكن فرنسا قد صنعت كل تلك التباينات من العدم، لكنها أحسنت استثمارها وتعميقها وتحويلها إلى أدوات للحكم، بما يخدم سياسة «فرّق تسُد» ويضعف الحركة الوطنية المطالبة بسورية موحدة.
ومع ذلك، بدأت محاولات جمع الأجزاء المتفرقة تحت إطار واحد؛ ففي 28 يونيو 1922م أنشأت فرنسا «الاتحاد السوري»، وضم دول دمشق وحلب والعلويين، في صيغة اتحادية بقيت محدودة الصلاحيات وتحت سلطة الانتداب.
ولم يكن الاتحاد نهاية التقسيم، بل خطوة مؤقتة سبقت إعادة ترتيب الخريطة من جديد.
وفي 5 ديسمبر 1924م صدر القرار بدمج دولتي دمشق وحلب في دولة واحدة باسم «الدولة السورية»، على أن يبدأ العمل به في الأول من يناير 1925م، وأصبحت دمشق عاصمتها.
أما دولة العلويين فبقيت خارج هذا الدمج، وهو ما يكشف أن توحيد سورية لم يحدث دفعة واحدة، وإنما جاء على مراحل متعاقبة.
ثم جاءت الثورة السورية الكبرى التي اندلعت في جبل الدروز في أغسطس 1925م، وسرعان ما امتدت إلى دمشق ومناطق سورية أخرى، لتتحول من انتفاضة محلية إلى حركة وطنية واسعة ضد الحكم الفرنسي والتجزئة، وشارك فيها سوريون من مناطق وفئات متعددة.
وكان من أبرز ما أظهرته الثورة أن الانقسامات التي حاول الانتداب تكريسها لم تستطع إلغاء الشعور الوطني المشترك.
وفي عام 1936م جرى إدماج منطقتي العلويين وجبل الدروز في الدولة السورية لفترة، قبل أن تعود ترتيبات الانفصال الإداري في ظل استمرار الانتداب.
أما سنجق الإسكندرونة، فقد انتهى الأمر بخروجه من سورية وضمّه إلى تركيا عام 1939م. واستمرت سورية في مقاومة الهيمنة الفرنسية حتى انتهى الوجود العسكري الفرنسي نهائيًا بالجلاء عام 1946م.
وهكذا لم يكن إعلان «دولة دمشق» في 3 سبتمبر 1920م حادثة إدارية عابرة، بل حلقة في مشروع أوسع لإعادة تشكيل سورية سياسيًا وجغرافيًا.
وقد التقت سياسة التجزئة الفرنسية مع انقسامات داخلية حقيقية، بعضها مناطقي وبعضها اجتماعي ومذهبي وسياسي؛ فاستُخدمت تلك التباينات لإضعاف المركز الوطني وإطالة أمد السيطرة.
لكن التاريخ أثبت في المقابل أن السوريين استطاعوا، رغم كل محاولات التفريق، إعادة بناء فكرة الدولة الواحدة، حتى اكتمل استقلال سورية بخروج القوات الفرنسية عام 1946م.


