تدخل أسواق الطاقة العالمية مرحلة توصف بأنها الأكثر هشاشة منذ سنوات، بعدما كشفت تقديرات حديثة لوكالة الطاقة الدولية عن اتساع الفجوة بين الطلب العالمي على النفط والمعروض الفعلي خلال الربع الثاني من عام 2026، في وقت تتآكل فيه المخزونات بوتيرة متسارعة وسط اضطرابات الملاحة في الخليج وتصاعد المخاطر الجيوسياسية.
وبحسب البيانات، بلغ الطلب العالمي على النفط نحو 101.3 مليون برميل يوميًا، مقابل معروض يقدر بحوالي 95.3 مليون برميل يوميًا، ما يعني وجود عجز يومي يقترب من 6 ملايين برميل، وهي فجوة ضخمة تعكس اختلالًا واضحًا في توازن السوق العالمي للطاقة.
هذا العجز لم يبق مجرد رقم في تقارير المؤسسات الدولية، بل انعكس مباشرة على المخزونات النفطية العالمية، حيث تراجعت المخزونات المرصودة بنحو 246 مليون برميل منذ بداية الحرب والاضطرابات الأخيرة في منطقة الخليج، بينما يرتفع الانخفاض إلى قرابة 380 مليون برميل عند استبعاد النفط المخزن براً أو بحراً في الخليج، والذي لا يمكن ضخه بسهولة إلى الأسواق العالمية بسبب القيود اللوجستية واضطرابات الملاحة البحرية.
وتشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية إلى أن الأزمة الحالية لا تتعلق فقط بالإنتاج، بل بحركة النفط نفسها، خصوصًا مع التراجع الحاد في تدفقات الخام عبر مضيق هرمز، أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، والذي كان يمر عبره نحو 20 مليون برميل يوميًا قبل اندلاع الأزمة الأخيرة في المنطقة.
ومع تقلص الإمدادات القادمة من الخليج، بدأت الأسواق العالمية تعتمد بصورة متزايدة على السحب من المخزونات التجارية والاستراتيجية لتغطية العجز، إلا أن هذه الاحتياطيات نفسها تتعرض لاستنزاف سريع، ما دفع المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية فاتح بيرول إلى التحذير من أن الأسواق النفطية قد تدخل “المنطقة الحمراء” خلال شهري يوليو وأغسطس إذا استمرت الأزمة الحالية دون انفراج.
ويؤكد محللون أن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في انخفاض المخزونات، بل في تراجع “هامش الأمان” الذي تعتمد عليه الأسواق عادة لمواجهة أي صدمات مفاجئة، سواء كانت هجمات على البنية التحتية، أو اضطرابات جيوسياسية، أو حتى موجات طلب موسمية مرتبطة بالسفر والنشاط الصناعي.
وفي الوقت الذي تمكنت فيه بعض الدول، وعلى رأسها الولايات المتحدة، من تخفيف حدة الأزمة عبر السحب من الاحتياطي الاستراتيجي وزيادة الصادرات، فإن هذه الحلول تبقى مؤقتة بطبيعتها، خصوصًا مع استمرار العجز بين العرض والطلب واتساع الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك العالمي.
كما بدأت تداعيات الأزمة تمتد إلى الاقتصاد العالمي الأوسع، مع ارتفاع تكلفة النقل والشحن والتأمين البحري، إلى جانب مخاوف من عودة موجات التضخم المرتبطة بالطاقة، خاصة في الاقتصادات الصناعية الكبرى المعتمدة على النفط المستورد.
ورغم أن ارتفاع الأسعار أدى إلى تباطؤ نسبي في الطلب داخل بعض الأسواق، فإن تقارير الطاقة تشير إلى أن هذا “التدمير القسري للطلب” لا يزال غير كافٍ لإعادة التوازن سريعًا، خصوصًا مع استمرار القيود على حركة الإمدادات البحرية.
وتصف بعض مراكز الأبحاث المتخصصة الوضع الحالي بأنه “صدمة حركة” أكثر منه أزمة إنتاج تقليدية، بمعنى أن جزءًا كبيرًا من النفط موجود فعليًا لكنه غير قادر على الوصول إلى الأسواق في الوقت المناسب بسبب الاختناقات الجيوسياسية والبحرية، وهو ما يزيد من تقلبات الأسعار ويضاعف حالة القلق داخل الأسواق العالمية.
وفي ظل هذا المشهد، تبدو أسواق النفط أمام معادلة شديدة الحساسية: طلب عالمي لا يزال مرتفعًا، ومخزونات تتراجع بوتيرة قياسية، وممرات بحرية مضطربة، وأسواق أصبحت أكثر هشاشة تجاه أي تطور سياسي أو أمني جديد.
ويرى خبراء أن استمرار الوضع الحالي لفترة أطول قد يدفع العالم إلى واحدة من أعنف دورات التقلب النفطي منذ أزمات السبعينيات، خصوصًا إذا تراجعت قدرة المخزونات الاستراتيجية على تعويض النقص أو استمرت اضطرابات الخليج خلال النصف الثاني من 2026.






