لم تعد الزراعة في الخليج العربي مجرد محاولة لإنتاج الغذاء في بيئة صحراوية قاسية، بل تحولت إلى مشروع سياسي-اقتصادي يعكس بوضوح قوة النفط وقدرته على إعادة تشكيل الطبيعة نفسها. فمن خلال عائدات الطاقة الأحفورية، استطاعت دول الخليج بناء منظومات زراعية تبدو في ظاهرها انتصارًا على القيود البيئية، لكنها في العمق تكشف عن مفارقات معقدة تتعلق بالاستدامة والتبعية واللامساواة.
تشير بيانات دولية إلى أن منطقة الشرق الأوسط، التي تضم دول الخليج، تعاني من واحدة من أشد أزمات المياه عالميًا؛ إذ يعيش نحو 83% من السكان تحت ضغط مائي شديد، مع توقع وصول النسبة إلى 100% بحلول عام 2050 . ورغم أن المنطقة تضم نحو 6% من سكان العالم، فإنها لا تمتلك سوى أقل من 2% من موارده المائية المتجددة . في هذا السياق، يصبح أي نشاط زراعي واسع النطاق مشروعًا عالي التكلفة بيئيًا واقتصاديًا.
اللافت أن الزراعة، التي تُقدم غالبًا بوصفها ضرورة للأمن الغذائي، تستهلك النصيب الأكبر من المياه في الخليج. فوفق تقارير بحثية، يذهب نحو 77% من الموارد المائية المتاحة في دول مجلس التعاون الخليجي إلى القطاع الزراعي، مقابل 18% للصناعة و5% فقط للاستخدامات المنزلية . هذه الأرقام تكشف مفارقة واضحة: قطاع اقتصادي محدود المساهمة في الناتج المحلي يلتهم الموارد الأكثر ندرة.
هنا يظهر الدور الحاسم للنفط، ليس فقط كمصدر للطاقة، بل كقوة تمويلية أعادت تشكيل العلاقة بين الإنسان والبيئة. فبفضل العائدات النفطية، ضخت دول الخليج عشرات المليارات في مشاريع تحلية المياه، التي أصبحت العمود الفقري للزراعة الحديثة في الصحراء. بين عامي 2006 و2024 فقط، تجاوزت الاستثمارات في تحلية المياه بالمنطقة 53 مليار دولار كرأسمال إنشائي، إضافة إلى نحو 49 مليار دولار تكاليف تشغيلية .
اليوم، تنتج منطقة الشرق الأوسط نحو 41.8% من القدرة التشغيلية العالمية لتحلية المياه، كما تسهم بأكثر من 50% من إنتاج المياه المالحة الناتجة عن هذه العمليات . هذه الأرقام تعكس حجم الاعتماد البنيوي على التكنولوجيا كثيفة الطاقة لتعويض النقص الطبيعي في الموارد.
لكن هذا “الانتصار التقني” يخفي داخله هشاشة عميقة. فعملية التحلية نفسها تستهلك كميات هائلة من الطاقة، ما يربط الأمن المائي مباشرة بأسواق الطاقة وتقلباتها. كما أن تصريف المياه المالحة الناتجة عن التحلية يؤدي إلى زيادة ملوحة البحار، مهددًا النظم البيئية البحرية في الخليج . أي أن الزراعة التي تبدو وكأنها تتحدى الطبيعة، تعيد في الواقع إنتاج أزمات بيئية جديدة.
إلى جانب ذلك، تكشف سياسات دعم الزراعة في الخليج عن بعد اجتماعي واقتصادي مهم. فالدعم الحكومي الواسع لحفر الآبار والطاقة والمياه أدى إلى استنزاف المياه الجوفية بشكل غير مستدام، في حين استفاد منه بشكل أكبر كبار المستثمرين والمزارع التجارية، ما يعمّق فجوات اللامساواة داخل هذه المجتمعات .
الأكثر تعقيدًا أن هذه الزراعة “المدعومة نفطيًا” لا تحقق اكتفاءً ذاتيًا حقيقيًا، بل تظل مرتبطة بسلاسل إمداد غذائي عالمية. فبعض دول الخليج، مثل قطر، تعتمد بشكل كبير على ما يُعرف بـ”المياه الافتراضية” المستوردة عبر الغذاء، حيث تستورد سنويًا كميات ضخمة من المياه غير المباشرة عبر المنتجات الزراعية . وهكذا، تتحول الزراعة المحلية إلى جزء من شبكة تبعيات عالمية بدل أن تكون بديلاً عنها.
في هذا الإطار، يمكن فهم الزراعة في الخليج بوصفها تجسيدًا حيًا لما يُعرف بـ”الرأسمالية الأحفورية”: نظام اقتصادي يستخدم الثروة النفطية ليس فقط لإنتاج الطاقة، بل لإعادة تشكيل الطبيعة وفق منطق السوق، حتى لو كان ذلك على حساب التوازن البيئي طويل الأمد.
وبينما تنجح هذه المنظومة في خلق مشاهد زراعية خضراء وسط الصحراء، فإنها في الوقت ذاته تطرح أسئلة حادة حول الاستدامة: هل يمكن لنموذج يعتمد على استهلاك كثيف للمياه والطاقة أن يستمر في منطقة هي الأكثر جفافًا في العالم؟ أم أن هذه التجربة، رغم نجاحها الظاهري، ليست سوى تأجيل مكلف لأزمة بيئية أكبر تتشكل في الأفق؟
في النهاية، لا تبدو الزراعة في الخليج مجرد قصة نجاح تكنولوجي، بل هي مرآة تعكس حدود القوة النفطية نفسها: قدرة هائلة على تجاوز الطبيعة مؤقتًا، لكنها في المقابل تخلق أشكالًا جديدة من الاعتماد والهشاشة يصعب تجاهلها.







