يُقبل شهر رمضان في إريتريا بطقوس روحانية واجتماعية مميزة، تمزج بين عمق الانتماء الإسلامي والتقاليد المحلية المتوارثة عبر الأجيال.
ورغم أن المسلمين يشكلون نحو أكصر نمن 80% من سكان أريتريا بسحسب مصادر متطابقة ، فإن أجواء الشهر الكريم تمتد بتأثيرها إلى مختلف المدن والقرى، وتتحول ليالي رمضان إلى مساحة عامرة بالذكر والتكافل والزيارات العائلية.
في العاصمة أسمرة، كما في مدن الساحل مثل مصوع، تبدأ الاستعدادات للشهر قبل حلوله بأيام. تُزيَّن المساجد وتُضاء ساحاتها، وتزداد الحركة في الأسواق الشعبية لشراء الحبوب والبهارات والتمر. ويحرص الأهالي على توفير مستلزمات أطباق تقليدية تُعدّ جزءاً أساسياً من المائدة الرمضانية، في مشهد يعكس مكانة الشهر في الوجدان الجمعي.
الإفطار بين البساطة والتنوع
عند أذان المغرب، تجتمع الأسر حول موائد يغلب عليها الطابع المحلي. يتصدر خبز “الإنجيرا” المشهد، وهو خبز رقيق يُصنع من دقيق الذرة أو الحبوب المحلية، ويُقدَّم مع أطباق من اللحم أو العدس أو الخضروات المتبّلة. كما تحضر الشوربات الساخنة والتمر، اقتداءً بالسنة النبوية، إلى جانب مشروبات شعبية تُحضَّر من الشعير أو الكركديه.
وفي المناطق الساحلية، يزداد حضور الأسماك في وجبة الإفطار، نظراً لقربها من البحر الأحمر، فيما تميل المناطق الريفية إلى أطباق أبسط تعتمد على المحاصيل المحلية.
ورغم التفاوت في الإمكانات المعيشية، يبقى القاسم المشترك هو روح المشاركة؛ إذ يتبادل الجيران الأطباق، وتُرسل حصص الطعام إلى المحتاجين قبل أن تجلس الأسرة إلى مائدتها.
المساجد عامرة بالتراويح
بعد الإفطار، تتجه الأنظار إلى المساجد لأداء صلاتي العشاء والتراويح. وتمتلئ المساجد بالمصلين من مختلف الأعمار، فيما يحرص كثير من الشباب على المشاركة في تنظيم الصفوف وتوزيع المياه والتمر على المصلين. وتستمر حلقات الذكر وتلاوة القرآن حتى ساعات متأخرة من الليل، خاصة في العشر الأواخر من الشهر.
وتُعدّ ليالي رمضان فرصة لتعزيز الروابط الاجتماعية، إذ تتزايد الزيارات العائلية، وتُقام جلسات سمر يغلب عليها الطابع الديني، حيث يتبادل الحضور القصص والمواعظ ويتناقشون في شؤون الحياة بروح هادئة تعكس أجواء الشهر.
التكافل الاجتماعي في الصدارة
ومن المهم الإشارة إلي أن شهر رمضان يشهد في إريتريا نشاطاً ملحوظاً في مجالات الصدقات والزكاة. وتحرص العائلات الميسورة على توزيع سلال غذائية على الأسر الأقل دخلاً، فيما تتعاون لجان المساجد على تنظيم موائد إفطار جماعية، خصوصاً في الأحياء الشعبية. ويُنظر إلى هذه المبادرات باعتبارها واجباً دينياً وفرصة لتعزيز التماسك المجتمعي.
كما يشارك أبناء الجاليات الإريترية في الخارج في دعم ذويهم خلال الشهر، عبر إرسال تحويلات مالية تُسهم في تخفيف الأعباء المعيشية، ما يعكس قوة الروابط الأسرية رغم البعد الجغرافي.
السحور وهدوء ما قبل الفجر
يمتاز وقت السحور بأجواء من السكينة، حيث تستيقظ الأسر قبيل الفجر لتناول وجبة خفيفة تساعد على تحمل ساعات الصيام. وغالباً ما تتكوّن من بقايا أطباق الإفطار أو من أطعمة بسيطة مثل الخبز واللبن والشاي. وفي بعض الأحياء، يمرّ أشخاص لإيقاظ السكان للسحور، في تقليد شعبي يذكّر بمهنة “المسحراتي” المعروفة في بلدان عربية أخرى.
ومع اقتراب الفجر، يخيّم الهدوء على الشوارع، قبل أن تعود الحركة تدريجياً مع ساعات الصباح، حيث يواصل الناس أعمالهم، مع مراعاة تقليل ساعات الدوام في بعض المؤسسات خلال الشهر.
رمضان بين المدينة والريف
رغم تشابه الطقوس الأساسية، فإن الفارق بين المدن والقرى يظهر في بساطة الاحتفال. ففي القرى، تتسم الأجواء بطابع أكثر جماعية، إذ يفطر كثير من الأهالي في ساحات مفتوحة أو في بيوت كبار العائلات. أما في المدن، فتتنوع مظاهر الاحتفال بين الإفطارات العائلية الصغيرة واللقاءات الموسعة.
وتظل المناسبات الدينية، مثل ليلة القدر، محطات بارزة يتضاعف فيها الإقبال على المساجد وتكثف فيها أعمال الخير، وسط أجواء روحانية خاصة يشعر بها الكبار والصغار على حد سواء.
وفي هذا السياق يجدر بنا القول أن الإريترييين يحيون سهر رمضان في مزيج من العبادة والعادات الاجتماعية التي تعكس خصوصية المجتمع وتماسكه. فرغم التحديات الاقتصادية التي تواجهها البلاد، يبقى الشهر الفضيل مناسبة لتجديد الأمل وتعزيز التضامن، وتأكيد القيم التي يقوم عليها المجتمع الإريتري: الإيمان، والتكافل، وروح الأسرة الواحدة.







