لم تمنع الجراح المثخنة والواقع الداخلي المعقد الشعب السوري من العودة إلى بوصلته التاريخية، حيث انفجر بركان الغضب في المحافظات السورية مساء امس الأربعاء في هبة شعبية عارمة تجاوزت حدود التضامن التقليدي لتتحول إلى نداء استغاثة كفاحي.
من قلب “مهد الثورة” في درعا وصولاً إلى أزقة حلب وريف دمشق، توحدت الحناجر السورية في مشهد ناري يرفض “قانون الإعدام” الجائر بحق الأسرى الفلسطينيين.
لسان حال المظاهرات يعلن للعالم أجمع أن القضية الفلسطينية لا تزال هي المحور والمركز، وأن الدم السوري والفلسطيني يمتزجان اليوم في خندق واحد لمواجهة حرب الإبادة الصهيونية المستمرة.
درعا.. شرارة الجنوب التي لا تنطفئ
شهدت محافظة درعا جنوبي سوريا مسيرات ليلية حاشدة جابت شوارع مدينة الشيخ مسكين وبلدة نمر ومناطق متفرقة من المحافظة.
خرج الآلاف من المواطنين رافعين الأعلام الفلسطينية وصور الأسرى، في تحدٍ واضح للظروف الأمنية والميدانية الصعبة.
ولم تكتفِ الجماهير بالهتافات المنددة بجرائم الاحتلال، بل صدر بيان رسمي عن أهالي الجنوب السوري يؤكد التمسك بالقضية الفلسطينية كقضية وجودية، مشددين على أن المساس بالأسرى هو مساس بالكرامة السورية ذاتها.
يعكس ذلك إدراكاً شعبياً عميقاً لخطورة المرحلة الراهنة التي يحاول فيها الاحتلال فرض قوانين إعدام عنصرية لتصفية الروح النضالية داخل السجون.

توتر حدودي ودعوات عشائرية للتصعيد
لم يقتصر الحراك على الساحات العامة، بل امتد الزخم الشعبي ليصل إلى خطوط التماس في القنيطرة، حيث أفادت تقارير ميدانية بتوجه مجموعات من المحتجين نحو المناطق الحدودية، مما دفع قوات الاحتلال لإطلاق قنابل مضيئة في سماء الريف القنيطري تحسباً لأي اختراق.
وبالتزامن مع هذا الغليان الميداني، برزت دعوات لافتة من بعض العشائر السورية في الجنوب تدعو للتصعيد المباشر بوجه الاحتلال، مما يضفي صبغة قتالية على التحركات الشعبية ويضع المنطقة الحدودية على فوهة بركان.
يأتى ذلك خاصة مع تداخل البعد الشعبي السوري بآلام المخيمات الفلسطينية في حلب ودمشق التي لم تتوقف عن الهتاف لغزة والمقاومة.
أصداء دولية وتحليلات الخبراء
تناولت وكالات الأنباء العالمية والصحف الدولية هذا التحول-حسبما وصفت- المفاجئ في الشارع السوري باهتمام بالغ، حيث أشارت “رويترز” وتقارير إقليمية إلى أن عودة الزخم الجماهيري السوري لنصرة فلسطين في ظل الأزمة الداخلية السورية يمثل “كابوساً أمنياً” جديداً للاحتلال في الجبهة الشمالية.
ومن جانبهم، يرى خبراء ومحللون سياسيون أن هذه المظاهرات ليست مجرد تعبير عن التعاطف، بل هي رسالة استراتيجية مفادها أن الشارع السوري قادر على تجاوز انقساماته من أجل القدس.
وأكدوا أن توجه المحتجين نحو خطوط التماس يعكس رغبة حقيقية في تحويل الغضب الشعبي إلى فعل ميداني يربك حسابات الاحتلال الذي يحاول تصفية القضية عبر قوانين إعدام الأسرى وحروب الإبادة.
تجديد العهد في ريف دمشق وحلب
وفي مشهد يعزز وحدة المصير، لم تكن مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في دمشق وحلب بمعزل عن هذا الغضب، حيث التحمت المسيرات السورية بالفلسطينية في تظاهرات جابت شوارع المخيمات والمدن الكبرى، وسط هتافات ترفض الصمت الدولي تجاه ما يحدث في غزة والسجون الصهيونية.
إن هذا التفاعل الشعبي الواسع، الذي ترافق مع مطالبات بالإفراج الفوري عن الأسرى، يثبت أن الرهان على تغييب الوعي السوري تجاه فلسطين قد سقط تماماً، وأن انفجار الأوضاع في الجنوب السوري بات مسألة وقت إذا ما استمر الاحتلال في غطرسته وإجراءاته القمعية التي تهدف إلى إبادة الشعب الفلسطيني وصناعة واقع جديد في المنطقة.






